محمد أبو زهرة
365
المعجزة الكبرى القرآن
القتال بكل ضروبه دفاعا وهجوما ، بل إن خير الدفاع ما كان هجوما . ولا سبيل لإنهاء القتال مع المعتدين إلا بإحدى خصال ثلاث : إما الإسلام ، وأن يتوبوا ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، ويكونوا إخوانا ، وإما بالعهد يعاهدونه ، ويوفون به ، فما استقاموا فالعهد قائم ، وإلا فإنه ينطبق عليهم قول اللّه سبحانه وتعالى : وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ( 58 ) [ الأنفال : 58 ] . وإما الاستسلام . وأن يخضعوا لأهل الإيمان . وقد قال تعالى في ذلك : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ( 7 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ( 8 ) [ محمد : 7 ، 8 ] . ويقول سبحانه : فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ ( 4 ) [ محمد : 4 ] . 228 - وننتهى من هذا التتبع إلى حقيقتين ثابتتين : إحداهما - أن محاربة المؤمنين لأي قوم لا تكون إلا عند اعتدائهم بإخراج المسلمين من ديارهم ، أو إيذائهم في دينهم ، ومن الإيذاء أن يمنع الدعاة إلى الإيمان من أن يلاقوا الشعوب ، ويعرفوهم بالحق ، ومن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر ، لأنه لا إكراه في الدين ، ولكن بعد أن يتبين الحق من الباطل ، والغى من الرشد ، وذلك لقوله سبحانه وتعالى : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [ البقرة : 256 ] . الحقيقة الثانية أنه إذا كان الاعتداء بأي ضرب من ضروبه ، فإن باب الجهاد يفتح دفاعا وهجوما وغزوا والتقاء ، لا يمنع مانع إلا ما توجبه الفضيلة . وقد فهم بعض الناس أن القتال في الإسلام لا يكون إلا دفاعا . ولا يكون هجوما ، وذلك خطأ . والحق أن القتال لا يكون لقوم إلا إذا اعتدوا ، فإن كان الاعتداء حل قتالهم دفاعا وهجوما ، وهم في الحالين المعتدون إلا أن يتوبوا أو يعاهدوا ويستقيموا . وليس قتال المؤمنين ليكون باب الدعوة إلى الإسلام مفتوحا بعد اعتداء من المؤمنين ، بل هو رد للاعتداء ، لأن القتال لأجل الدعوة لا يكون إلا بعد أن يرسل المؤمنون دعاة للإيمان ، فإن أجاب بعضهم ، ولم يضطهد في اعتقاده فإنه لا قتال ، ومن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ، ومن ضل فإنما يضل عليها . وإن اضطهد كان الاعتداء بالفتنة ، فوجب القتال ردا للاعتداء بمثله . وقد جاء الإسلام في عصر الملوك المتجبرين الذين كانوا يؤذون رعاياهم فكان