محمد أبو زهرة
363
المعجزة الكبرى القرآن
ويدل ثالثا - على أن الذين يترددون في موقفهم فهم يريدون السلامة لأنفسهم بمداهنة قومهم الذين يقاتلونهم ومداهنة المؤمنين ، فهؤلاء يحكم عليهم بالواقع ، فإن لم يقاتلوا المؤمنين فلا سبيل عليهم ، وإلا كان قتالهم حقا بذلك الموقف البادى . وإن هذا التقسيم يدل على أن القرآن الكريم يقرر نظرية الحياد ، ويحترم المحايدين ، فلا يرفع عليهم سيفا ، فالناس على ذلك في نظر القرآن الكريم ثلاثة أقسام : محاربون للمسلمين : وهؤلاء يجب قتالهم لرد اعتدائهم . والأخذ بالنواصي والأقدام من غير هوادة . وهؤلاء هم المعتدون بالقتال أو بفتنة المؤمنين كما قال تعالى : قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ( 14 ) [ التوبة : 14 ] والقسم الثاني أهل الميثاق الذين بينهم وبين المؤمنين ميثاق عدم الاعتداء ، وهؤلاء يحترم ميثاقهم ، بل يمتد احترام الميثاق إلى الذين لهم به صلة ، بحيث يكون سلمهم واحدة وحربهم واحدة . والقسم الثالث المحايدون الذين لا يكونون مع المؤمنين ، ولا مع أعدائهم واقعا ، لأنه ما دام الأصل في العلاقات هو السلم إلا إذا حدث ما يوجب القتال ، فإن لم يكن منهم ما يوجبه فإنه لا سبيل لأحد عليهم . وقد فهم بعض الذين لا يدرسون المسائل دراسة فاحصة مستقرية أنه لا موضع للحياد في الفقه الإسلامي ، وذلك كلام من لم يمحص الحقائق لأن القرآن الكريم كما ترى جعل للحياد موضعا ، وهم الذين يعتزلون الحرب مع المسلمين أو ضدهم ، فقال إنه لا سبيل عليهم ، فكان الحياد ثابتا بنص القرآن الكريم . 227 - وإذا تلونا بعض آيات القرآن الكريم التي فتحت باب القتال جهادا في سبيل اللّه نجدها صرحت بأن القتال كان للاعتداء من غيرنا بطريقتين : قتل المؤمنين والاعتداء عليهم ، وإخراجهم من ديارهم ، والثاني بفتنتهم في دينهم ، كما قال تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 39 ) [ الأنفال : 39 ] أي كل إنسان يعتنق ما يعتنق لا رقيب على قلبه إلا اللّه تعالى ، فلا إكراه في الدين ولا فتنة فيه . وهنا يسأل سائل : ألم يبح القرآن القتال ، إلا دفاعا ، أو ردا للاعتداء ، ولم يبح الهجوم ؟ ونقول في الجواب عن ذلك : إن القرآن صريح في أنه لا يباح القتال مع من ألقى السلام ، وبذلك يكون من المؤكد أن الإسلام لا يبيح الهجوم على الآمنين الذين