محمد أبو زهرة

357

المعجزة الكبرى القرآن

الاستهلاك أبدا ، إن تعدد ألوان المطالب التي قد تضطر للاقتراض لقضائها وليد حياة متحضرة ، ولم تكن هذه الحضارة عند أهل البادية . ولذا نقول : إن ربا الجاهلية ، وهو الربا المحرم في القرآن يكاد ينصب على قرض الاستغلال ابتداء ، والثاني يجيء من عموم النص ، وفي التعاون بالزكاة غنى عن الاقتراض للاستهلاك . شيوع الربا : 221 - لقد شاع التعامل بالربا ، حتى صار يسيطر على النظام الاقتصادي ، ويقول اقتصاديو هذا الزمان : كيف يسوغ ترك التعامل بالربا وهو قوام الاقتصاد الحاضر ؟ . ونقول : إن هذا الزمن هو الذي تحققت فيه نبوءة رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، إذ يقول : « يأتي زمان على الناس يأكلون فيه الربا ، قيل : الناس كلهم يا رسول اللّه ، قال : من لم يأكله ناله غباره » . وإن الذين أدخلوا هذا النظام في كل قارات العالم هم اليهود ، وأذكر منهم آل روتشيلد ، الذين وزعوه في القارات ، ونشروه ، وسيطروا به على العالم الاقتصادي ، وكان الربا سبيلا للاستعمار في البلاد الإسلامية ، وخصوصا العربية . ومهما يكن مصدر الربا ، ومهما يكن الذين أشاعوه ، فإنا نقرر حقيقتين : أولاهما - أن تحريم الربا ليس بسبب خلقي ، حتى يقصر التحريم ، على القروض الاستهلاكية ، كما يتوهم بعض المتفقهة ، إنما الأساس في تحريمه اقتصادى ، فالإسلام يدعو إلى نظام اقتصادى يقوم على منع الربا ، لأن الربا من شأنه أن يجعل رأس المال منتجا من غير عمل عامل ، بل من غير تحمل لتبعة العمل ، وإذا ساد وجدت طائفة من الناس يتخذون التعطل سبيلا ويأكلون ثمرات غيرهم من التجار والزراع والصناع ، ولقد قرر المحققون من الذين درسوا الاقتصاد الحقيقي أن الكسب بالانتظار لا ينمى الأمة اقتصاديا ويفسدها اجتماعيا ، إذ إن الكسب بالانتظار لا ينتج ، إنما الذي ينتج هو الذي يعمل زارعا ، أو تاجرا ، أو صانعا ، وإنك إذا درست ما أحله اللّه تعالى وما حرمه من المكاسب ، تجد أن المكاسب التي أحلها الإسلام ، هي التي تزيد ثروة الأمة ، وتنمى إنتاجها أو تنفع الناس ، والمحرم من المكاسب ما لا ينمى ثروة الأمة ، ولا ينفع الناس ، ولا شك أن المكسب بالربا ليس فيه تنمية للثروة ، ولا عمل لنفع ، إنما الذي يكون منه هذا هو المقترض ، فبأي حق يأخذ المتعطل منه ثمرة عمله من غير تحمل لخسارة إن كانت . الحقيقة الثانية - أن التعامل في الإسلام يقوم على أساس التعاون ، وأن يفيض ذو المال على من لا مال عنده ، ويتعاونا على الاستغلال بأن يكون ثمة مشاركة في الكسب