محمد أبو زهرة

352

المعجزة الكبرى القرآن

هذا تفصيل محكم جاء في محكم التنزيل ، وإذا علمنا أن مشاحات الناس أكثرها في المداينات والمبايعات ، وسواء أكانت في داخل الإقليم ، أم في أقاليم أخرى ، علمنا لما ذا عنى القرآن الكريم المنزل من عند الحكيم العليم بالمداينات والعقود تلك العناية . وإن تعجب فاعجب من قول كثيرين من الفقهاء أن الأمر هنا للإرشاد لا للإلزام وعجبنا من أن يتصوروا أن ذلك التفصيل إرشاد ، وليس حكما تكليفيا . واللّه أعلم بكتابه . الربا في القرآن : 218 - من وقت البعث المحمدي ، والإسلام لا يرى التعامل بالربا علاقة صالحة ، بل إنه في الآية التي نزلت بمكة كان فيها استنكار ، وعده عملا غير صالح ، اقرأ قوله تعالى في سورة الروم المكية : وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ( 39 ) [ الروم : 39 ] . وهذا النص يفيد أن الربا لا يرضى عنه اللّه . وإن كان فيه زيادة فهي زيادة آثمة ، وإذا كان المتعاملون يريدون أن يتضاعف مالهم فسبيل ذلك هو إعطاء شطر من المال للسائل والمحروم ، فإن المال ينمو بذلك وتكون الزيادة خيرا ؛ لأن ذلك السبيل هو التعاون ، وجاءت من بعد ذلك في المدينة الآيات المحرمة للربا تحريما قاطعا حاسما . منها قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 130 ) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ( 131 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 132 ) [ آل عمران : 130 - 132 ] . والربا المذكور هنا ، وفي الآية التي تلوناها من قبل ، وفي الآية التي سنتلوها من بعد هو الزيادة في الدّين نظير الأجل ، فليس هو الدّين ذاته ، إنما هو الزيادة ، ونذكر هذا تصحيحا لفهم بعض الذين يبيحون الربا أو بعضه ، فقد قال قائل منهم عفا اللّه عنه أن المحرم هو ما زاد على ضعف الدين . وسارع إلى تصديقهم بعض القانونيين الذين يؤمنون بما في هذا الزمان أكثر من إيمانهم بالقرآن . والوصف بالمضاعفة للزيادة في هذا الزمان هو لبيان ما يؤدى إليه الربا . إذ تتضاعف الزيادة مضاعفة كثيرة : وفي ذلك ما فيه من إرهاق المدين . وقبح حال الدائن . وأكله المال بالباطل من غير عمل ولا كد . ولا تعرض للخسارة .