محمد أبو زهرة

347

المعجزة الكبرى القرآن

الأمر الثاني - الذي يجب التنبيه إليه هو أن الخمر كل ما يخامر العقل ، ويستره ، ويمنعه من الإدراك المستقيم ، سواء أكان النيئ من ماء العنب ، أم كان المطبوخ منه ، وسواء أكان من العنب أو البلح ، أو غيرهما . وعندما نزل ذلك النص القاطع في التحريم أراق الصحابة كل ما عندهم من دنان الخمر ، ولم يكن فيها النيئ من ماء العنب ، بل كانت كلها أنبذة . فكل شراب من شأنه أن يسكر أو يؤدى إلى السكر يكون حراما سواء أكان نبيذ العنب أو التفاح أو البلح أو البصل أو نيء القصب ، وسائر ما يخترعه الإنسان ليفسد عقله ، وسواء أكان سائلا أم كان جامدا . ولقد عرضنا لهذا الأمر لأن بعض الفقهاء الكبار ظن أن الخمر هي النيئ من ماء العنب إذا غلا فاشتد وقذف بالزبد ، فتعلق به الجاهلون ، وحسبوا أنه يبيح الأنبذة ، وهو يعلم أنها مسكرة ، وطاروا بذلك القول ، ليستبيحوا الخمر ويبيحوها ، ونقول : إن ذلك الإمام الجليل قد أخطأ ، وما كان عليهم أن يقلدوه في الرأي ليتمكنوا من شربها ، بل كان عليهم أن يقلدوه في فعله ، فقد قال رضى اللّه عنه وعفا عنه : « لو أغرقت في الفرات على أن تناول قطرة من الأنبذة ما تناولتها » . 214 - وأن القرآن إذ شدد في تحريم الخمر ، فإنه يعتبر ارتكابها جريمة تستحق العقاب ، ولكن ليس في القرآن نص على عقوبة لها ، وفيه نص على جريمة هي في كثير من الأحيان نتيجة لها ، فإن السكران لا يدرى ما يقول فينطق برفث القول وبالفسوق وهي جريمة القذف ، ولقد قال علي بن أبي طالب في الارتباط بين الجريمتين ، قال في عقوبة الشرب : « إذا شرب افترى ، فيحد حد الافتراء ، وهو حد القذف » . وقد ترك تقدير العقاب بالنص الصريح ، أو بالعمل المبين للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وقد روى عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنه قال في الشارب : « إذا شرب فاضربوه ، فإن عاد فاجلدوه ، فإن عاد فاقتلوه » . وقد قيل له عليه الصلاة والسلام : إننا بأرض برد نستدفئ بالخمر ، فقال عليه الصلاة والسلام : « لا تشربوها » فقال القائلون : إنهم لا يستطيعون ، فقال عليه الصلاة والسلام : « فقاتلوهم » . البغى 215 - جريمة البغى تعرض القرآن الكريم لبيانها ، والبغى معناه الخروج عن طاعة الإمام العادل بقوة لتأويل تأولوه ، فيشترط لتحقق جريمة البغى ثلاثة شروط : أولها - أن يكون الإمام عادلا .