محمد أبو زهرة

345

المعجزة الكبرى القرآن

الصحابة على كرم اللّه وجهه عقوبتها من عقوبة القذف ، وقد جاءت النصوص القرآنية مشيرة إلى مضار الخمر ، وأنها شراب مذموم ، وجاءت بالنهى عنها ، وأول آية نزلت مشيرة إلى أنها أمر غير حسن قوله تعالى : وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 67 ) [ النحل : 67 ] . وقد كان ذلك النص متضمنا استهجانا لها ، وهو استهجان ببيان أنها شئ غير مستحسن في ذاته ، فهو مقابل للأمر المستحسن . والمقابل للمستحسن لا يكون إلا مستهجنا . وكان ذلك أول تنبيه للعرب باستهجانها ؛ لأنهم كانوا يألفونها في جاهليتهم ويتفاخرون بشربها كما يفعل أهل الجاهلية في هذا الزمان الذي نعيش فيه . وهذه الآية نزلت في مكة ، فلما كانت الهجرة ، وأشرب المسلمون حب الإسلام أشار القرآن إلى ما يوجب تحريمها ، فقال تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [ البقرة : 219 ] . وقلنا أن هذا النص السامي يوجب تحريمها ؛ لأن كل أمر غلبت مضاره على منافعه يوجب العقل أن يحرمه الإنسان على نفسه ، لأنه ما من شئ إلا فيه نفع نسبى ، وضرر نسبى ، والعبرة بما يغلب ، ولكنه ليس تحريما صريحا . ولذلك بعد هذا النص كان عمر رضى اللّه عنه يقول : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا . وإن النفس العربية كانت قد ألفت شربها ، وتعودته ، فلا بد من تربية تخلع هذه العادة غير الحسنة فجاء النص الآخر الكريم ليربى النفس على البعد عنها ، فقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [ النساء : 43 ] . وإنه لا يتصور إيمان من غير صلاة ، فالصلاة أمر محتوم . وقد نهى عن أن يقربها وهو سكران ، حتى يعلم ما يقول ، والعلم بما يقول هو العلم بما ينبغي قوله ، وما لا ينبغي ، ونتائج القول ، وتحرى الصدق ، وكل هذا لا يكون إلا من ذوى وعى كامل مدرك لحقائق الأمور ، وغاياتها ، ولا يكون ذلك إلا إذا كان على بعد من الشرب بوقت طويل ، وقال سبحانه وتعالى : لا تقربوا الصلاة ، ولم يقل لا تدخلوا في الصلاة ؛ لأن النهى عن المقاربة أبلغ من النهى عن الدخول . وإذا كانت الصلوات خمسا موزعة في النهار وزلفا من الليل ، فإنه لا بد أن يكون على صحو كامل من قبل الفجر حتى لا يقرب صلاة الفجر . وهو لا يعلم ما يقول ، ولا بد أن يكون في صحو قبل الظهر ، ولا بد أن يكون الصحو مستمرا إلى العصر ،