محمد أبو زهرة

34

المعجزة الكبرى القرآن

والى المدينة مروان بن الحكم ، ومهما يكن اختلاف الرواية في تاريخ وفاتها ، فإن عثمان رضى اللّه عنه قد قرر أن يحرق بعد وفاتها . وهنا يسأل المؤرخ : إذا حرق عثمان المصاحف الأخرى لما أثارته من فتنة ، ولأنه كان فيها حروف أخرى غير حرف قريش فلما ذا قرر حرق المصحف الذي عند حفصة ، وقد كان إمام مصحفه ، والمرجع الذي وزن به صحة ما كتب في عهده ، حتى إنه قيل إن المصحف الذي كتب في عهده قد نسخ منه نسخا ؟ . ونقول في الجواب عن ذلك أن المصحف أودع حفصة رضى اللّه عنها وعن أبيها لأنها كانت حريصة على أن يبقى عندها ، وما أراد الرجل الطيب عثمان أن يحرمها مما أرادت ، فأعاده إليها ، ولكنه الحريص على القرآن خشي أن يقع في يد أحد ، فيمحو فيه ويثبت ، ويقول : قد غير ما عندكم ، وها هو ذا الأصل ، فاحتكموا إليه ، ويكون صالحا للاحتكام ، فأمر أن يحرق بعد وفاتها ، وما أبقاه عندها في حياتها إلا مرضاة لها ، فاحتاط للقرآن ، وما أعنتها ، رضى اللّه تعالى عن ذي النورين بما صنع ، وأكرمه في مثواه ، ورضى عنه وأرضاه . ترتيب الآيات والسور 20 - أجمع العلماء على أن الآيات رتبت بتنزيل من اللّه تعالى فكانت الآية إذا نزلت يقول صلى اللّه عليه وسلم لكاتبه ولصحابته : ضعوها في موضع كذا من سورة كذا ، وتكون لقفا مع التي وضعت بجوارها ، وتكونان نسقا بيانيا ، هو الإعجاز ، وإنه يدل على وحدة المنزل وهو اللّه سبحانه وتعالى ، وإن الآيات المكية كانت توضع في السور المكية ، والمدنية كانت كذلك توضع في المدنية ، إلا بعض آيات مدنية وضعت في سور مكية ونبه إليها . على ذلك انعقد الإجماع ، وكانت العرضة الأخيرة التي قرأ فيها النبي صلى اللّه عليه وسلم على جبريل بترتيب الآيات ذلك الترتيب ، ومن أنكر ذلك أو حاول تغييره فقد أنكر ما عرف من الدين بالضرورة ، وخرج عن إطار الإسلام ، وحاول التغيير والتبديل ، فتلك الدعوات المنحرفة التي تدعو إلى ترتيب القرآن على حسب النزول ، أو على حسب الموضوعات هي خروج على الإسلام ، يبثه بعض الذين لا يرجون للإسلام وقارا ، إذ يجعلون القرآن عضين ، ويخالفون التنزيل ، ويعارضون الوحي ، وذلك خروج عن الإسلام . هذا ترتيب الآيات ، أما ترتيب السور فإنه من الثابت أن المصحف الإمام كان على هذا الترتيب ، وقالوا : إنه ما ارتضاه زيد بن ثابت ، ووافقه عليه الشيخان أبو بكر وعمر وصحابة النبي صلى اللّه عليه وسلم وذو النورين عثمان وهو المتبع ، فلا يغير ولا يبدل ، وقد قيل أن بعض الصحابة كان له مصحف بغير هذا الترتيب ، فكان لأبيّ مصحف ، وكان لعلى