محمد أبو زهرة

307

المعجزة الكبرى القرآن

علم الحلال والحرام 182 - علم الحلال والحرام في الإسلام مصدره القرآن ، وهو الشريعة العملية ، والأحكام التكليفية وما من أمر شرع بالسنة إلا كان مرجعه إلى القرآن ، فهو كلى هذه الشريعة ، حتى لقد قال العلماء أنه لا يوجد حكم شرعي إلا كان له أصل في القرآن ، والسنة النبوية الكريمة بينته أو شرحته ، ولقد طار بعض الملحدين بهذه الحقيقة ، وزعموا أنه يمكن الاستغناء بالقرآن عن السنة وذلك هو الافتيات على الحقائق ؛ لأن السنة مبينة القرآن كما قال تعالى : بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 44 ) [ النحل : 44 ] وكما قال تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [ النساء : 65 ] . فإهمال السنة والاقتصار على الكتاب ضلال مبين ، أو تضليل أثيم ، إنما هما يتعاونان في بيان أحكام الشريعة ، والسنة تفصيل لما أجمل الكتاب ، وتوضيح لما عساه لا تدركه الأفهام . أمر اللّه تعالى بالصلاة ، ولم يذكر أركانها ، ولا شكلها ، وترك للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بيانها ، فبينها بالعمل ، وقال : « صلوا كما رأيتموني أصلى » وتضافرت بذلك الأخبار عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وصار العلم بالأركان والكيف من أصول الدين ، والعلم بها ضروري ، من أنكره فقد أنكر شيئا علم من الدين بالضرورة ، فهو كافر ، وكذلك الأمر في الزكاة ، ذكرت مجملة وبينها النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وطبقها وجمعها ، حتى أن من ينكرها ، يخرج عن الإسلام . 183 - وقد ذكر القرطبي أن من أوجه إعجاز القرآن علم الحلال والحرام فيه ، وقد وافقناه على ذلك تمام الموافقة ؛ وذلك لأن ما اشتمل عليه القرآن من أحكام تتعلق بتنظيم المجتمع وإقامة العلاقات بين آحاده على دعائم من المودة والرحمة والعدالة ، لم يسبق به في شريعة من الشرائع الأرضية ، وإذا وزنا ما جاء في القرآن بما جاءت به قوانين اليونان والرومان وما قام به الإصلاحيون للقوانين والنظم بما جاء في القرآن ، وجدنا أن الموازنة فيها خروج عن التقدير المنطقي للأمور ، مع أن قانون الرومان أنشأته الدولة الرومانية في تجارب ثلاثمائة سنة وألف من وقت إنشاء مدينة روما إلى ما بعد خمسمائة من الميلاد ، ومع أنه قانون تعهده علماء قيل أنهم ممتازون ، منهم « سولون » الذي وضع قانون أثينا ، ومنهم « ليكورغ » الذي وضع نظام أسبرطة . فجاء محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ومعه القرآن الذي ينطق بالحق عن اللّه سبحانه وتعالى ، من غير درس درسه ، وكان في بلد أمي ليس فيه معهد ، ولا جامعة ،