محمد أبو زهرة
292
المعجزة الكبرى القرآن
وثالثها - الإتيان بعرشها بين غمضة عين وانتباهتها ، أو كما عبر القرآن الكريم آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ وهذا من تسخير اللّه تعالى لسليمان . ومن العلم الذي أعطاه اللّه بعض عباده المخلصين ، ونقول : إن الآية صريحة في أن الذي أتى هو عرشها حقيقة ، لا صورته ، كما يقول المتشددون في المادية ، ومع ذلك إذا كانت هي الصورة فإن الخارق ثابت ، وهو أنه أتى به قبل أن يرتد إليه طرفه . وفي قصة نبي اللّه سليمان عليه السلام خوارق أخرى غير ما جاء في سورة النمل ، فقد جاء في سورة سبأ ما نصه : وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ ( 12 ) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ( 13 ) فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ( 14 ) [ سبأ : 12 - 14 ] . العبرة في خوارق العادات لسليمان : 169 - أطنبنا بعض الإطناب في النقل من القرآن الكريم عن خوارق العادات في عهد نبي اللّه سليمان عليه السلام ؛ وذلك لأن هذا العصر كانت فيه الفلسفة الأيونية مسيطرة في آسيا الصغرى وتولدت عنها فلسفة اليونان . وكانت الفلسفة الأيونية قائمة على الأخذ بالأسباب والمسببات ، وتولد المعلول من العلة في انتظام قائم لا يتخلف ، فجاء سليمان عليه السلام ، وقام سلطانه كله على خرق للأسباب والمسببات والقيام على إثبات أن الكون كله بإرادة مريد مختار ، ولا يفعل إلا ما يريد ، ولا يصدر عنه شئ بغير إرادته الخالدة الثابتة - فقام سليمان بذلك ، وأجرى اللّه تعالى تلك الخوارق على يديه ، فأجرى الريح التي غدوها شهر ورواحها شهر على يديه . وعلم منطق الطير . وسمع حديث النمل . وجاءه عرش بلقيس بين يديه قبل أن يرتد إليه طرفه . وسخر اللّه تعالى له الجن ، وكان كل شئ في حكمه بخوارق العادات ، أو بخرق نظام الأسباب والمسببات العادية التي بنيت عليها نظرية أن المخلوقات نشأت عن الموجد الأول نشوء العلة عن معلولها ، فكانت حياة نبي اللّه تعالى سليمان في ملكه تجرى على هدم هذا النظر ، وسخر اللّه له الريح تجرى بأمره حيث أصاب ، وكذلك كانت الخوارق للأسباب هي المسيطرة في معجزات من جاء بعده من الرسل . معجزات عيسى عليه السلام : 170 - في هذا العصر الأيونى كان مبعث عيسى عليه السلام ، ووجوده ، ولم يكن علم الطب رائجا عند بني إسرائيل كما توهم عبارات بعض الكتاب في العقائد من