محمد أبو زهرة
283
المعجزة الكبرى القرآن
فكان التنوع الذي ذكره القرآن إبطالا لما يقرره الفلاسفة من نظرية العلة والمعلول ، والسبب والمسبب . ضاق بهم مسلكهم ، فلم يتصوروا غير ذلك ، ولو نظروا إلى الكون ، وما يجرى فيه من أحوال ، لأدركوا بفطرتهم المستقيمة أن المنشئ واحد أحد ليس بوالد ولا ولد ، ولآمنوا بقوله تعالى : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ [ الأنعام : 101 ] واقرأ قوله تعالى في التعريف بالذات الإلهية : إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 95 ) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 96 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 97 ) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ( 98 ) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 99 ) وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ ( 100 ) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 101 ) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 102 ) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 103 ) قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ( 104 ) . [ الأنعام : 95 - 104 ] انظر إلى تعريف الذات العلية ، وما تنشئه في هذا الوجود ، وإن هذا يدل على الفاعل المختار دلالة قاطعة : بتنوعه ، واختلاف مظاهره ، ونوع حياته ، ألا تراه يسقى بماء واحد ، وغذاؤه واحد ، ومع ذلك تتنوع أنواعه ، وتختلف أجزاؤه مما يدل على أنه نشأ بغير العلية ، بل بإرادة مختارة حكيمة تفعل ما تريد ، واللّه يخلق ما يشاء ويختار . وإن القارئ للقرآن الحكيم يرى فيه قدرة الذات العلية ، وإرادتها الخلق ، والعقل لا يقبل غير ما جاء فيه . وما يسلكه الفلاسفة من أوهام بالنسبة للسببية ، يؤدى إلى التسلسل إلى ما لا نهاية ، فإذا كان الموجود نشأ من موجود ، فمم نشأ الموجود السابق ، والسابق على السابق ، ويتأدى إلى ما يستحيل العقل تصوره ، وإذا كان هناك موجود تنتهى عنده السلسلة فلما ذا يفرض أنه الإله ، ويفرض أنه وجد ما بعده من إرادته ، لا بالعلية . واقرأ الآيات القرآنية في إثبات الوحدانية في الذات والصفات ، وفي