محمد أبو زهرة

281

المعجزة الكبرى القرآن

ولقد روى عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن هذا القرآن مأدبة اللّه ، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم ، إن هذا القرآن هو حبل اللّه . والنور المبين ، والشفاء النافع ، عصمة من تمسك به ، ونجاة من اتبعه ، ولا يعوج فيقوم ، ولا يزيغ فيستعتب ، ولا تنقضى عجائبه ، ولا يخلق عن رد ، فاتلوه ، فإن اللّه يأجركم على تلاوته ، بكل حرف عشر حسنات » . وإن هذه الآثار الواردة تدل دلالة قاطعة على أن القرآن حوى علم النبوة كله ، وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من علم النبوة إلا أحصاها ، وأن اللّه سبحانه وتعالى ما فرط في الكتاب من شئ من علم النبوة ، كما قال تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 38 ] مما يتعلق بالشرائع والأحكام وبيان ما يطلب من المكلف ، وما به صلاحه في الدنيا ، وثوابه في الآخرة ، لأنه تنزيل من حكيم حميد ، لا يأتيه من بين يديه ، ولا من خلفه . 163 - هذا الجواب مبنى على ما قرره الذين قرءوا القرآن من السلف الصالح . وما نقلوه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو بيان إجمالى لعلم القرآن الكريم مبنى على أنه تبليغ النبي صلى اللّه عليه وسلم لرسالة ربه ، وأنه التبليغ الخالد إلى يوم القيامة الذي تخاطب به الأجيال بالرسالة العامة التي تعم الإنسانية كلها ، ولا تخص عصرا من عصورها . ولكن لا بد من أن نعرض بالذكر ببعض التفصيل لما اشتمل عليه علم القرآن . وهذا هو الجواب الثاني الذي لا يغنى فيه الإجمال الكلى عن بعض التفصيل الجزئي . وإن الذي قرره السلف ، وأجمعوا عليه أن القرآن الكريم فيه علم النبوة كله ، وأن من علمه فقد حوى النبوة بين جنبيه . وأول علوم النبوة علم الغيب ، ففي القرآن علم الغيب ، وبيان الغيب ، والغيب هو لب الإيمان ، وفيه علم الحاضر الذي يدل على الغيب المستكين . فيه بيان الوحدانية ، وبراهينها المستمدة من الكون ، واستقامة حاله ، والتي يستدل عليها بالآثار القائمة ، وبما خلق اللّه سبحانه وتعالى . وإن العلم بمنشئ الكون هو الفطرة الإنسانية التي لا تضل إلا بما يسيطر على العقل من أهواء ، وبما يقف دون الإدراك السليم من أوهام ، وبما يحيط بالعقل من غيم يمنعه من الفهم السليم ، فالقرآن يزيل غياهب الضلال ، ويأخذ بالشارد إلى حيث الأمن العقلي . وإن الفلاسفة يحاولون أن يدركوا المغيب عنهم من حقيقة المنشئ ، ومنهم من ضل في سبيل ذلك ضلالا بعيدا ، ومنهم من قارب ، ومنهم من باعد ، ولا تجد في