محمد أبو زهرة
265
المعجزة الكبرى القرآن
ومحاولة تأويلها كفر ، وإذا كانت المقدمات مظنونة أو مشهورة وليس لها مرادفات ترفعها إلى درجة اليقين ، والنتيجة ليست يقينية ، فالتأويل يجرى في النتيجة والمقدمة إذا كان له مسوغ أو تعارضت طرائق الاستدلال . وإذا كانت المقدمات مشهورة أو مظنونة ، ولكنه بتضافر الأدلة تنتج يقينيا ، والنتيجة تحتمل عدة صور متشابهة ، فإن التأويل لا يدخل في المقدمات . ولكن يدخل في النتائج . وقد تكون المقدمات مظنونة أو مشهورة ولا يقين فيها ، ولكنها تنتج نتيجة واحدة لا مثنوية فيها فإنها لا تقبل التأويل في النتيجة ، وتقبل التأويل في المقدمات . 150 - هذه كلمات ابن رشد ، وذلك بيانها . إن كانت في ذاتها غير بينة واضحة المقصد ، ولكن يثار هنا قول ، وهو : أيصح أن نقول أن أدلة القرآن خطابية أو جدلية أو برهانية ، إننا لا نستطيع أن نقول أنها خطابية كما قد يشير إلى ذلك ابن رشد . وقبل أن نقطع في ذلك برأي نذكر تعريف الأدلة الخطابية ، كما في الشفاء لابن سينا ، يقول ابن سينا : إن الحكماء قد أدخلوا الخطابة والشعر في أقسام المنطق ، لأن المقصود من المنطق أن يتوصل إلى التصديق ، فإن أوقع التصديق يقينا فهو البرهان ، وإن أوقع ظنا أو محمولا على الظن فهو الخطابة ، أما الشعر فلا يوقع تصديقا لكنه لإفادة التخييل الجاري مجرى التصديق ، ومن حيث إنه يؤثر في النفس قبضا أو بسطا ، عد في الموصل إلى التصديق » . والتخييل عنده كما عرفه إذعان للتعجب والالتذاذ تفعله صور الكلام . ونراه من هذا يضع المنطق والخطابة والشعر في ثلاث مراتب ، فالأول يتجه إلى التعيين ، وهو أعلى مراتب التصديق ، والخطابة تصل إلى مرتبة الظن الغالب ، والاتجاه إليها لا يوصل إلا إلى ذلك ، والشعر يتجه إلى إثارة الخيال ، والإعجاب والالتذاذ بصورة الكلام ، ولا يؤدى في ذاته إلى تصديق إلا إذا تضمن ما يشبه المنطق ، أو يشبه الخطابة فإنه يؤدى إلى يقين أو إلى ظن . ولا بد لنا من أن نذكر أمرين ثابتين : أولهما - أن الخطابة في أقيستها لا تعتمد إلا على الظن ، ولا تنتج إلا الظن ، ولكن يجب أن نعلم أن من الحقائق التي تجىء على ألسنة المتكلمين والتي تجرى في الأسلوب الخطابي ما هو يقين ينتج قطعا ، ولا ينقص القطعية فيها أنها خلت من صور الأقيسة والأشكال البرهانية ، فليست العبرة في اليقين بالشكل ، إنما العبرة بالحقيقة أهي مقطوع بها أم غير مقطوع ، والشكل البرهاني لا يمنحها يقينا ، كما أن عدم التمسك به لا ينقص يقينها .