محمد أبو زهرة

263

المعجزة الكبرى القرآن

إن هذه القصة واقعية ، وليس في سياق القول ما يدل على أنها تصويرية ، والأصل أن تكون حقيقية ، فلا بد أن أجزاءها قصة واقعة ، وليست مجرد مثل تصويرى ، وهذه القصة معها دليل واقعي على البعث والنشور ، وأنه في قدرة اللّه تعالى إعادة الموتى ، فمن أنشأ الكون يحيى الموتى ، وأننا سنموت كما ننام ، ونبعث كما نستيقظ ، فهو مثل واقعي ، لبيان - كيف يحيى اللّه الموتى - فقد مات الرجل مائة عام ، ثم أحياه اللّه ، ورأى طعامه لم يتغير ، ورأى حماره حتى حسب أنه نام يوما أو بعض يوم ، واللّه على كل شئ قدير . أسلوب جدل القرآن 149 - ذكرنا فيما أسلفنا من قول بعض ما سلكه القرآن ، وما يعمد إليه من استدلال وما يتخذه من ينابيع ، وقد كانت لإثبات الحقائق في العقيدة والأحكام وما يقربها به إلى العقول حتى لا يكون موضع ارتياب لمرتاب ، يزيل الريب بالحقائق ، ويبدد الأوهام بالأدلة التي تنبه إلى حقائق الوجود . وما كان ذلك للجدل من المخالفين من مشركين وأهل كتاب فقط ، بل كان لإثبات الحقائق في ذاتها ، من غير محاجة مع منكر ، ولا مجادلة مع جاحد ، والآن نتكلم في جدله مع المجادلين ، وقطعه الطريق على الجاحدين . وقبل ذلك نتكلم في مقام الاستدلال القرآني ، سواء أكان في مقام تثبيت وبيان أم في مقام جدل مع قوم خصمين . ولقد لاحظنا في أدلة القرآن أنها قريبة التناول في الإدراك لكل الناس ، يفهمها الخاصة ويفهمها العامة ، وأن تفاوت الفهم بمقدار الإدراك ، وسعة الأفق ، وهي واضحة للجميع ، ولقد قرر بذلك ابن رشد الفيلسوف الفقيه في كتابه فصل المقال ، فقد قسم الطرق لإثبات صدق القضايا والتصديق بها إلى عامة لأكثر الناس بحيث يكون التصديق بها من كل الناس ما داموا قد سلمت عقولهم من الآفات ، ومنها ما هي خاصة بأقل الناس وهي البرهانية ، وجعل الأدلة التي تعم الناس الأدلة الخطابية وتقوم على إثبات الحق بأدلة قطعية ، أو أدلة ظنية ، ولكن بكثير منها ومقارنتها ، وإثارة الخيال يجعل السامعين يقتنعون ، ويجزمون . وإذا كانت الأدلة في ذاتها مجردة عما أحيط بها من عرض ، وأسلوب بيانى وإلقاء مؤثر ، وإثارة للأخيلة الموجهة ، تكون ظنية ، ولكن آثارها قطعية ، كما نرى في آثار البلغاء من الخطباء ، والخطابية أعم أنواع الاستدلال في البيان ، وأكثرها إنتاجا ، ودونها في العموم الجدلية ، وهي ما يكون الاستدلال فيها مأخوذا مما يسوقه الخصم من الحجج ، وهي تعتمد على قوة الاستدلال على الخصم ، ولأن الفلج على الخصوم لا يكون أمرا مستورا ، بل يكون أمرا له صفة الشياع بين