محمد أبو زهرة

248

المعجزة الكبرى القرآن

139 - هذه الأخبار عن الماضي يشتمل عليها القرآن الكريم ، وهي فيما احتوت دليل قاطع على أن القرآن من عند اللّه ، إذ جاء بها أمي لا يقرأ ولا يكتب ، كما قال تعالى : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ( 48 ) [ العنكبوت : 48 ] . وأما الإخبار عن أمور وقعت في المستقبل كما أخبر القرآن الكريم ، وما كان لأحد أن يعلمها إلا من قبل العليم الحكيم اللطيف الخبير ، الذي لا يغيب عن علمه شئ في السماء ولا في الأرض فهو كثير . ومن ذلك إخبار القرآن عن هزيمة الفرس بعد غلبهم ، فقد قال سبحانه : ألم ( 1 ) غُلِبَتِ الرُّومُ ( 2 ) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ( 3 ) فِي بِضْعِ سِنِينَ [ الروم : 1 - 4 ] . وقد حدث ما أخبر به القرآن ، فقد دارت رحا الحرب من بعد ذلك وهزم الفرس في بضع سنين ، وما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم ممن حضر هذه الحرب ، وعرف سبب الغلب ، وما يتوقع من بعده ، وقد تفاءل المشركون من هزيمة الروم ، وهم أهل كتاب ، وعلو الفرس ، وهم أهل شرك ، وحسبوا من ذلك أن دعوة محمد مآلها الخسران ، وشأنهم في ذلك هو شأن الذين يبنون علمهم على الأوهام ، وتخيل ما يحبون . ومن ذلك أيضا ما كان قبيل غزوة بدر الكبرى إذ يقول سبحانه وتعالى : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [ الأنفال : 7 ] لقد خرجت قريش بعيرها التي كانت فيها ثروة قريش كلها ، وأراد المؤمنون أن يترصدوها مضايقة للكفار ، وأن يأخذوها نظير ما أخرجوا المؤمنين من ديارهم وأموالهم ، ولكن أبا سفيان التوى عن طريق يثرب ، ونجا بالعير ، وكان قد طلب إلى قريش أن ترسل جيشا يحمى عيرها ، ويغزو موطن الخطر ، فكانت المعركة ، فهم أرادوا ابتداء العير ، وليست ذات الشوكة ، وأراد اللّه تعالى الجيش ، وكان ذات الشوكة . وما كانوا يتوقعون النصر على المشركين ، ولكنها حرب الفداء للعقيدة ، لا ينظر فيها إلى الاستيلاء ، بل ينظر فيها إلى الاستشهاد ، ولكن اللّه تعالى أخبرهم بالنتيجة قبل وقوعها ، فقال تعالت قدرته : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ( 45 ) [ القمر : 45 ] فكان هذا إخبارا بمغيب لم يكن إلا في علم اللّه تعالى . ومن ذلك إخباره عن اليهود بقوله تعالى : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ [ البقرة : 96 ] .