محمد أبو زهرة

246

المعجزة الكبرى القرآن

وقد تكون في الآيات القصار آية بين كل آية وأخرى تدعو إلى التفكير بصراحة ، كما دعت فواصل الآيات إلى التدبر في ميزات الفاصلة ، اقرأ قوله تعالى في سورة الرحمن : الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( 4 ) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ ( 5 ) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ ( 6 ) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ ( 7 ) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ ( 8 ) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ ( 9 ) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ ( 10 ) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ ( 11 ) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ ( 12 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 13 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ( 14 ) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ( 15 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 16 ) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ( 17 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 18 ) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ( 19 ) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ( 20 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 21 ) [ الرحمن : 1 - 21 ] . هذه نصوص قرآنية من الآيات القصار تجد كل آية منها تدعو إلى التدبر والتفكر فيما تدعو إليه وما تدل عليه ، وقد كانت الفاصلة منبهة إلى التروي في معناه ، والتدبر في مغزاه ، وهي متضامنة مع سابقتها ولاحقتها لتأتي بمعنى كلى جامع ، وصورة بيانية رائعة . وهكذا تكون آيات القرآن ، وألفاظه وجمله ، وكله إعجاز في إعجاز . تدل على أنه من اللطيف الخبير العزيز الحكيم السميع البصير . الإعجاز بذكر الغيب 138 - هذا باب من أبواب الإعجاز ، فيه جزء من القصص ، والجزء الثاني من الأخبار التي يتحدث القرآن فيها عن المستقبل ، فالغيب المذكور في القرآن نوعان أحدهما غيب مضى ، وهو جزء القصص ، والثاني عن أمور تقع في المستقبل وكلاهما إعجاز مع البلاغة والبيان ، ومع العلوم القرآنية ، والأحكام التي اشتمل عليها القرآن الكريم . ووجه الإعجاز في الماضي وقصصه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم نشأ أميا لا يقرأ ولا يكتب ، ولم تكن نشأته بين أهل الكتاب ، حتى يعلم بالتلقين علمهم ، وكان قومه أميين لا يسود فيهم علم من أي طريق كان إلا أن يكون علم الفطرة والبيان ، وإرهاف أحاسيسهم بالشعر والكلام البليغ ، وتذوق الكلمات ، والمعاني . لم يكن عندهم مدرسة يتعلمون فيها ، ولا علماء يتلقون عليهم ، وكانوا منزوين بشركهم عن أهل الكتاب ، والمعرفة في أي باب من أبوابها ، وكانت رحلة الصيف