محمد أبو زهرة
223
المعجزة الكبرى القرآن
فاللّه تعالى علم نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو صلى اللّه عليه وسلم علم أمته ذلك الترتيل ، وليس الترتيل مجرد القراءة ، إنما الترتيل قراءة منغمة تنغيما يظهر التناسق في الحروف والجمل والآيات ويكشف معانيها ، ونغماتها ، وتلك هي موسيقى القرآن . الفائدة الثانية : التي يفيدها أن إعجاز القرآن لغير العرب هو بنغمه وجرسه الموسيقى ، فإن الموسيقى لغة الإنسانية ، وتهتز لها كل القلوب ، ونحن نوافقه في اتجاهه إلى أن القرآن معجز العرب وغيرهم ، ولكن لا نقصر إعجاز غير العرب على الموسيقى وحدها ، بل نقول : إن ذات العبارات ، وشرائعه ، والعلم المبثوث فيه ، وكونه من أمي لا يقرأ ولا يكتب ، وقد نشأ في بلد أمي ليس فيه معهد ولا مدرسة - هذا كله فيه الدلالة على أنه من عند اللّه تعالى . 5 - الإيجاز والإطناب في القرآن 128 - إن القسمة العقلية للكلام كثرة وقلة بالنسبة لمعناه تحصره في أربعة أقسام : أولها : الإيجاز بأن تكون الألفاظ قليلة والمعاني كثيرة . وثانيها : التقصير بأن تكون الألفاظ غير كافية للدلالة على المعاني . وثالثها : الإطناب بأن تكون المعاني كثيرة ، والألفاظ كثيرة لا حشو فيها . ورابعها : التطويل ، وهو أن تكون الألفاظ كثيرة وفيها ما لا حاجة إليه . وهذه الأقسام الأربعة من الناحية البلاغية متقابلة ، فالإيجاز والتقصير متقابلان ، وأولهما باب من أبواب البلاغة ، وثانيهما عىّ في القول ، ونقص في البيان ، والإطناب والتطويل متقابلان ، وأولهما بلاغة وحسن أداء ، وثانيهما عىّ وعيب في البيان ، يدفع إلى الملل والسآمة ، حتى يتبرم به السامع . وقد ذكر الرماني هذه الأقسام المتقابلة ، كل مع ما يقابله ، فقال : « والإيجاز بلاغة والتقصير عىّ ، كما أن الإطناب بلاغة والتطويل عىّ ، والإيجاز لا إخلال فيه بالمعنى المدلول عليه ، وليس كذلك التقصير ، لأنه لا بد فيه من الإخلال ، فأما الإطناب فإنما يكون في تفصيل المعنى ، وما يتعلق به في المواضع التي يحسن فيها ذكر التفصيل ، فإن لكل واحد من الإيجاز والإطناب موضعا ، يكون به أولى من الآخر ، لأن الحاجة إليه أشد ، والاهتمام به أعظم ، فأما التطويل ، فعيب وعىّ ؛ لأنه تكلف فيه الكثير فيما يكفى منه القليل ، فكان كالسالك طريقا بعيدا ، جهلا منه بالطريق القريب ، وأما الإطناب فليس كذلك ، لأنه كمن سلك طريقا بعيدا لما فيه من النزهة الكثيرة ،