محمد أبو زهرة
221
المعجزة الكبرى القرآن
ونحن نميل إلى أن اتحاد المقاطع في القرآن لا يعد سجعا ، لأننا نرى السجاعين يتجهون إلى الألفاظ أولا ، وقد يكون سهلا وحلوا ولكن الاتجاه فيه أولا إلى الألفاظ ، وذلك غير لائق بالنسبة للقرآن . 127 - وبذلك يكون الحكم في أمر اتفق الطرفان المتخاصمان فيه على تقديس القرآن الكريم ، وتنزيهه عن أن يكون مشابها لكلام الناس ، وإن كان من جنسه ، ومكونا من حروفه . ونختم الكلام بكلام لكاتبين مؤمنين قال أحدهما في وصف ألفاظ القرآن ونظمه ، وقال الثاني في فواصله ومقاطعه ، أما الأول فالباقلانى ، فقد قال : « إن القرآن سهل سبيله ، فهو خارج عن الوحشي المستكره ، والغريب المستنكر ، وعن الصنعة المتكلفة ، وجعله قريبا إلى الأفهام ، يبادر معناه لفظه إلى القلب ، ويساوق المغزى منه عبارته إلى النفس ، وهو مع ذلك ممتنع المطلب عسير المتناول غير مطمع مع قربه في نفسه ، ولا موهم مع دنوه في موضعه أن يقدر عليه ، أو أن يظفر به ، فأما الانحطاط عن هذه الرتبة إلى رتبة الكلام المبتذل ، والقول المسفسف فلا يصح أن تقع فيه فصاحة أو بلاغة . فيطلب فيه . ولكنه أوضح مناره ، وقرب منهاجه ، وسهل سبيله ، وجعله في ذلك متشابها متماثلا ، وبين مع ذلك إعجازه فيهم » . أما الثاني فهو الكاتب المؤمن مصطفى صادق الرافعي رحمه اللّه ورضى عنه فهو يقول في فواصل القرآن ومقاطعه : ما هذه الفواصل التي تنتهى إليها آيات القرآن ؟ ما هي إلا صورة تامة للأبعاد التي تنتهى بها جمل الموسيقى ، وهي متفقة مع آياتها في قرار الصوت اتفاقا عجيبا ، يلائم الصوت والوجه الذي يساق إليه بما ليس وراءه في العجب مذهب ، وتراها أكثر ما تنتهى بالنون والميم ، وهما الحرفان الطبيعيان في الموسيقى نفسها ، أو بالمد ، وهو كذلك طبيعي في القرآن . . . قال بعض العلماء : كثير في القرآن ختم الفواصل بحروف المد واللين ، والياء والنون ، وحكمة وجودها التمكن من التطريب بذلك ، كما قال سيبويه أنهم ( أي العرب ) إذا ترنموا يلحقون الألف والياء والنون لأنهم أرادوا مد الصوت ، ويتركون ذلك إذا لم يترنموا ، وجاء ذلك في القرآن على أسهل موقف وأعذب مقطع . فإذا لم تنته بواحدة من هذه ( بالميم والنون والمد ) كأن انتهت بسكون حرف من الحروف الأخرى كان ذلك متابعة لصوت الجملة ، وتقطيع كلماتها ، ومناسبته للون المنطق بما هو أشبه وأليق بموضعه ، وعلى أن ذلك لا يكون أكثر ما أنت واجده إلا في