محمد أبو زهرة
22
المعجزة الكبرى القرآن
أكثر ، وإن كان قتل سبعين قد هال المؤمن الثاقب النظر عمر بن الخطاب رضى اللّه تعالى عنه وجزاه عن الإسلام خيرا . وإن كان بعض الكاتبين ذكر أن الحفاظ للقرآن من الصحابة أربعة هم علي بن أبي طالب كرم اللّه تعالى وجهه ، ومعاذ بن جبل ، وعبد اللّه بن مسعود ، وزيد بن ثابت ، فذلك ليس من قبيل الإحصاء ولا قبيل التعيين العددي فإن العدد أكبر من ذلك . والأمر الآخر الذي يجب التنبيه إليه هو أن القرآن كله كان مكتوبا عند الصحابة ، وإذا كان لم يكن كله مكتوبا عند بعضهم ، أو عند واحد منهم بعينه . فإن ذلك لم يكن منفيا عن جميعهم ، فهو مكتوب كله عند جميعهم ، وما ينقص من عند واحد يكمله ما عند الآخرين . وهكذا تضافروا جميعا على نقله مكتوبا ، وإن تقاصر بعضهم عن كتابته كمّل الآخر ، وكان الكمال النقلي جماعيا وليس أحاديا . وقد يسأل سائل : لما ذا كان الجامعون له في الصدور كثيرين . وقد حفظوه كاملا غير منقوص ، ولم يوجد من جمعه في السطور جمعا كاملا ؟ ونجيب عن ذلك بجوابين : أحدهما : من واقع حياة العرب ، فقد كانوا أميين ، والمجيد منهم للكتابة قليل ، وأدوات الكتابة غير متوافرة ، وما يكتب عليه غير معد لها ، فكانوا يكتبون على الأديم ، وعلى لخاف الأشجار ، وعلى العسب ، وغير ذلك مما لا يعد للكتابة ، فكان الغريب أن تكون كتابة ، فضلا عن أن تكون كتابة كاملة للقرآن عند الواحد من الصحابة ، وكتابته كاملة عند الجميع كانت بتوفيق اللّه تعالى ومن عنايته بكتابه الكريم . والجواب الثاني : أن ذلك من عمل اللّه تعالى ، لأن اللّه تعالى العليم الحكيم جعل حفظ القرآن الكريم في الصدور ابتداء وانتهاء ، وفي السطور احتياطا ، ولا تحريف ، وإن تواتر القرآن الكريم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يكون كما تلقاه عن ربه العليم الحكيم ، والتواتر يكون بالتلقى في الصدور لا في السطور ، ولا يكون تواترا في مكتوب إلا إذا قرئ المكتوب على من أخذ عنه وأجازه ، فالمكتوب يحتاج في نقله إلى الإجازة القولية ، والإجازة القولية لا تحتاج إلى كتابة إلا بمقدار تسجيل الإجازة . * * * ترك محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الدنيا والأمة على بينة من أمر القرآن ، قد استحفظوه ، وحفظوه ، وكتبوه وحمله رسول الحقيقة أمانة الخليقة ، وهو القرآن الحكم في هذا الوجود الإنسانى ، فما ذا كان من بعده .