محمد أبو زهرة
210
المعجزة الكبرى القرآن
ولو حاولنا أن نعرف سر ذلك النغم وتلك الموسيقى ، وذلك التآخي لعجزنا أن نعرفه على وجه التحقيق ، إنما نعرف تأثيره في نفوسنا إذا تهدت ووصلت إلى ذوق الأسلوب ، وذلك أمر يدرك لذوي الألباب ، ولا يعرف سره . وإن النظم القرآني في تأليفه كله له رنين الموسيقى ، لقد جرى العرب كتابا وشعراء وخطباء على أن يجدوا النغم في فاصلة سجع أو قافية شعر ، لكن نظم القرآن ونغمه ينبعث من كلماته وحروفه وأسلوبه ، فحروفه متآخية في كلماته ، لها موسيقى ونغم تهتز لها المشاعر ، وتسكن عندها ، وتطمئن النفوس ، والكلمات في تآخيها في العبارات تنتج موسيقى ونغما يختص به القرآن وحده ، وأن أي كلام مهما يكن علو صاحبه في البيان لا بد أن يكون متخلفا عن القرآن لا يمكن أن يلحق به ، لأنه كلام اللّه تعالى وفوق طاقة البشر . ويعجبني ما كتبه في هذا الكاتب المؤمن مصطفى صادق الرافعي إذ يقول : « كان العرب يترسلون في منطقهم كما اتفق لهم ، لا يراعون أكثر من تكييف الصوت دون تكييف الحروف التي هي مادة الصوت إلى أن يتفق من هذا قطع في كلامهم تفي بطبيعة الغرض الذي تكون فيه ، أو بما تعمّل لها المتكلم على نمط من النظم الموسيقى إن لم يكن في الغاية ، ففيه قرب من هذه الغاية » . فلما قرئ عليهم القرآن رأوا حروفه ، في كلماته ، وكلماته في جمله ألحانا لغوية رائعة ، كأنها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة ، قراءتها هي توقيعها ، فلم يفتهم هذا المعنى ، وأنه أمر لا قبل لهم به ، وكان ذلك أبين في عجزهم ، حتى أن من عارضه منهم كمسيلمة جنح في خرافاته إلى ما حسبه نظما موسيقيا ، وطوى عما وراء ذلك من التصرف في اللغة وأساليبها ومحاسنها ودقائق التركيب البياني ، كأنما فطن إلى أن الصدمة الأولى للنفس العربية ، إنما هي في أوزان الكلمات وأجراس الحروف دون ما عداها ، وليس يتفق ذلك في شئ من كلام العرب إلا أن يكون وزنا من الشعر أو السجع » . التلاؤم 122 - إن المعنى الذي ذكره المرحوم الأستاذ مصطفى صادق الرافعي هو ما سماه الرماني بالتلاؤم ، أي تكون نغمات الحروف متلائمة بعضها مع بعض في الكلمة ، والكلمات يتألف نغمها بعضها مع بعض في الجمل ، والجمل يتألف بعضها مع بعض في القول كله ، كما نرى في القرآن الكريم ، فإن الآية تتضافر ألفاظها في نغم هادئ إن كانت الآية في تبشير ، أو داعية إلى التأمل والتفكير إن كانت في عظة ، وتتلاءم نغماتها قوية إذا كانت في إنذار ، أو في وصف عذاب ، اقرأ قوله تعالى : الْحَاقَّةُ ( 1 ) مَا الْحَاقَّةُ ( 2 ) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ ( 3 ) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ ( 4 ) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا