محمد أبو زهرة

206

المعجزة الكبرى القرآن

ويقول الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن عن بديع نظمه : إنه بديع النظم عجيب التأليف ، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه والذي أطلقه العلماء هو على هذه الجملة ، ونحن نفصل ذلك بعض التفصيل ، ونكشف الجملة التي أطلقوها . ثم يتكلم عن الإعجاز في النظم فيقول : « فالذي يشتمل عليه بديع نظمه وجوه : منها ما يرجع إلى الجملة ، وذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه . وتباين مذاهبه خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم ، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم ، وله أسلوب يختص به ، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد ، وذلك أن الطرق التي يتقيد بها الكلام البديع المنظوم تنقسم إلى أعاريض الشعر على اختلاف أنواعه ، ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المقفى ، ثم إلى أصناف الكلام المعدل المسجع ، ثم إلى معدل موزون غير مسجع ، ثم إلى ما يرسل إرسالا ، فتطلب فيه الإصابة والإفادة وإفهام المعاني المعترضة على وجه بديع ، وترتيب لطيف ، وإن لم يكن معتدلا في وزنه ، وذلك شبيه بجملة الكلام الذي لا يتعمل فيه ، ولا يتصنع له ، وقد علمنا أن القرآن خارج عن هذه الوجوه ، ومباين لهذه الطرق ، ويبقى علينا أن نبين أنه ليس من باب السجع ، ولا فيه شئ منه ، وكذلك ليس من قبيل الشعر ، لأن من الناس من زعم أنه كلام مسجع ، ومنهم من يدعى أن فيه شعرا كثيرا ، والكلام عليهم يذكر بعد هذا الوضع . فهذا إذا تأمله المتأمل ، تبين له بخروجه عن أصناف كلامهم وأساليب خطابهم أنه خارج عن العادة ، وأنه معجز ، وهذه خصوصيات ترجع إلى القرآن وتميز حاصل في جميعه . وإن الباقلاني لا يكتفى بذكر ما بين أن القرآن ليس على الصفة التي امتاز بها بليغ الكلام عند العرب ، بل هو أعلى من ذلك يأتي بأبلغ الشعر وأبينه وأجود الخطب وأوقعها ، ثم يأتي بأكمل الكتب ، ولا يكتفى بذكر كلام البلغاء ، بل بكلام صاحب جوامع الكلم وهو محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فيقرر أنه وإن كان فوق أي كلام للبشر ، دون كتاب اللّه ، المعجز بكل ما اشتمل عليه ، وبكل ما فيه من لفظ ونغم وأسلوب . ويذكر رضى اللّه عنه وجها آخر من وجوه الإعجاز في نظم القرآن وأسلوبه ، فيقول : « ومنها أنه ليس للعرب كلام يشتمل على هذه الفصاحة والغرابة ، والتصرف البديع ، والمعاني اللطيفة ، والفوائد الغزيرة والحكم الكثيرة ، والتناسب في البلاغة ، والتشابه في البراعة على هذا الطول وعلى هذا القدر ، وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات محدودة ، وألفاظ قليلة ، وإلى شاعرهم قصائد محصورة ( قليلة أو كثيرة ) يقع فيها ما