محمد أبو زهرة

200

المعجزة الكبرى القرآن

الكنايات في القرآن كثيرة ، ولكنها تمتاز بإرادة اللازم والملزوم ، وفي ذلك كثرة المعاني مع إيجاز الألفاظ ، ولنضرب على ذلك بعض الأمثال نقتبسها من كتاب اللّه سبحانه وتعالى ، يقول اللّه تعالى في وصف المتقين : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ( 63 ) [ الفرقان : 63 ] . هذا وصف حسى لمشيهم ولقائهم ، يمشون غير مسرعين ، ولا متباهين ، بل يمشون مشيا هينا لا سرعة فيه ولا إبطاء ، وإذا خاطبهم الحمقى ، لا يمارونهم ولا يجادلون ، فإن المراء يخل بالوقار ، وملاحاة السفهاء ليست من دأب العقلاء . هذا هو الظاهر وهو المراد ، ولكن المقصود مع هذا هو وصفهم بتقوى اللّه وخوفه ، والاطمئنان إلى عفوه ، فيلتقى الخوف بتكبير الذنوب ، مع الرجاء في العفو والغفران . والمعاني الثانية ملازمة للأولى ، فكان المراد ابتداء هو اللازم والملزوم في ذاته ، ولكن السياق كان للثاني . ومن الإشارات الكنائية التي أريد فيها اللازم ، وذكر الملزوم كان للدلالة عليه قوله تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) [ يونس : 62 ] فإن ذلك الكلام السامي فيه حكم على أولياء اللّه المخلصين له سبحانه بأنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وذلك مراد لا ريب فيه ، وذلك يلازمه أن يكونوا قريبين من ربهم ، قد أخلصوا له ، واستحقوا رضوانه . ومن يكون قريبا من حبيبه ، لا يخافه في مستقبل ولا يحزن فيه على ماض وقع منه ، لأن المحبة تجعله قريب الرجاء في الغفران ، والطمع في الرحمة ، وقد بين سبحانه الطريق لمحبة اللّه تعالى ونيل رضوانه ، وهو التقوى ، فقال تعالت كلماته : الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 63 ) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [ يونس : 63 ، 64 ] . ومن كلام اللّه تعالى في التنزيل ما جاء عن وصية لقمان لابنه إذ قال تعالت كلماته : يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 16 ) يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 17 ) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ( 18 ) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ( 19 ) [ لقمان : 16 - 19 ] .