محمد أبو زهرة
193
المعجزة الكبرى القرآن
في الظلام ، فكان وجه الشبه الضلال في كلّ ، والإيمان مع الإذعان له يبعد عن الضلال بالنور إذ يبعد عن الضلال ، كما يبعد النور عن السير في الطريق الضال ، ويهدى إلى الطريق المستقيم ، أو نقول أن القرآن الكريم يشبه حال الضالين الذين يطلبون الحق ، ويجدون الهداية ويأخذون بها ، ومع رسولهم الكتاب المبين الذي يهدى بحال أولئك الذين يكونون في ظلام دامس لا يهتدون معه ، ويخرجون من الظلمة الحالكة إلى النور ، فهو تشبيه حال بحال بجامع الحيرة ثم الاهتداء في كلّ . 113 - ويذكر الرماني من الاستعارة البيانية قوله تعالى : وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ( 41 ) [ الذاريات : 41 ] ، ويقول في ذلك الرماني : العقيم مستعار للريح ، وحقيقته ريح ليس بها سحاب غيث ، والاستعارة أبلغ ، لأن حال العقيم أظهر من حال الريح التي لا تأتى بمطر ، لأن ما يقع لأجل حال منافية أوكد مما يقع في حال منافية وأظهر ، والمعنى أن الاستعارة هنا في لفظ عقيم ، لأن العقيم لا يرجى معها خير قط ولا تنتج ، لأن العقم حال تمنع الإنتاج ، فعدم إنتاج الريح بماء ذكر سببه ، وهي أنها ليست منتجة بذاتها كحال العقيم التي لا تحمل ولا تلد ، والوصف بالعقم مناسب لأنهم توقعوا أن يكون غيثا ، فكان فيها الهلاك ، ولقد بين اللّه تعالى معنى عقمها في آية أخرى فقال تعالت كلماته : فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ ( 24 ) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ( 25 ) [ الأحقاف : 24 ، 25 ] . وهكذا نجد الاستعارات البيانية في القرآن كثيرا ؛ وذلك لأسباب كثيرة نذكر منها ثلاثة : أولها : أن اللغة العربية لا تتسع للمعاني النفسية السامية في القرآن ، فإنه علم لا تدل على حقائقه ألفاظ ذات دلالة معينة ، وكانت بلغة العرب الذين لم يصلوا هم ولا غيرهم إلى الحقائق العلمية والنفسية التي يتصدى القرآن الكريم لبيانها ، وكشف عيون الحقائق فيها ، فكان لا بد من الاستعانة بالاستعارة من الألفاظ التي وضعت للمعاني الحسية لتكشف بها العلوم النفسية والاجتماعية والعقلية ، ولتقرب المعاني إلى ذهن الأعراب ، ومن هم أعلى منهم إدراكا لأنه الكتاب المبين ، وليخرج الأميين إلى حيث العلم وإلى الكتاب الذي علم الإنسان ما لم يعلم . ثانيها : أن القرآن الكريم فيه الأخبار عن الأمور المغيبة التي وقعت في الماضي ، والأمور القابلة ، وخصوصا ما يكون في الجنة من نعيم وفي النار من عذاب أليم ، فنعيم الجنة فيه فاكهة ونخل ورمان ، وفيها أنهار من عسل مصفى ، وفيها أنها من خمر لذة للشاربين ، وهكذا ، ولكن أهي من نوع خمر الدنيا ، وفاكهتها ؟ لقد ورد عن ابن عباس