محمد أبو زهرة

19

المعجزة الكبرى القرآن

وهناك سبب آخر لنزول القرآن منجما نلمسه من حال العرب ومن شؤونهم ؛ ذلك أن العرب كانوا أمة أمية ، والكتابة فيهم ليست رائجة ، بل يندر فيهم من يعرفها ، وأندر منه من يتقنها ، فما كان في استطاعتهم أن يكتبوا القرآن كله إذا نزل جملة واحدة ، إذ يكون بسوره وآياته عسيرا عليهم أن يكتبوه ، وإن كتبوه لا يعدموا الخطأ والتصحيف والتحريف . ولقد كان من فائدة إنزال القرآن منجما أنه كان ينزل لمناسبات ولأحداث فيكون في هذه الأحداث بعض البيان لأحكامه والمبين الأول هو النبي صلى اللّه عليه وسلم كما قال تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ النحل : 44 ] . المكي والمدني 8 - كان نزول القرآن منجما سببا في أن بعضه نزل بمكة وبعضه نزل بالمدينة ، فكان منه المكي ومنه المدني ، فالمكى ما نزل قبل الهجرة ، والمدني ما نزل بعد الهجرة ، فما نزل بعد الهجرة ولو بمكة يسمى مدنيا ، وما نزل قبل الهجرة يسمى مكيا ، فالتقييم زماني ، وليس بمكاني ، ليست العبرة بمكان النزول إنما العبرة فيه بزمانه . والآيات المكية فيها بيان العقيدة الإسلامية ، وبطلان عبادة الأوثان ومجادلة المشركين والدعوة إلى التوحيد ، ومخاطبة العرب ، وفيها قصص الأنبياء الذين جاءوا إلى بلاد العرب ولهم آثار في أجزائها تنادى بما صنع أقوامهم ، وما أصابهم اللّه تعالى بكفرهم من حاصب ، ومن خسف جعل عالي ديارهم سافلها ، ومن ريح صرصر عاتية . ولم يكن في الآيات المكية أحكام للمعاملات ، وإن كان فيها إشارات إلى المحرمات كالخمر والربا ، فقد قال تعالى مشيرا إلى أن الخمر أمر غير حسن : وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 67 ) [ النحل : 67 ] . فإن هذا النص الكريم يشير إلى أن الخمر ليست أمرا حسنا ، لأنه سبحانه وتعالى جعلها مقابلة للأمر الحسن ، ولا يقابل الحسن إلا القبيح ، أو على الأقل الأمر غير الحسن . ولقد جاء أيضا في سورة الروم ما يشير إلى أن الربا أمر غير مستحسن فقد قال تعالى في سورة الروم : وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ( 39 ) [ الروم : 39 ] . وإن عدم وجود أحكام للمعاملات في مكة سببه أن الدولة التي كانت قائمة كانت دولة شرك ، وأن من المستحيل أن تنفذ أحكام المعاملات الإسلامية في ظلها ، وكان