محمد أبو زهرة
185
المعجزة الكبرى القرآن
تعالى في خلقه وتسخيره للإنسان ، فإنه إذا كانت الجبال والأوهاد وجدها الإنسان كذلك ، وهي رواسي الأرض ، وبها ثباتها ، فإن الجواري ، وهي السفن التي تقارب في علوها وفي قوتها وأثقالها الجبال تجرى على الماء وهو يحملها مع أنه سائل لا صلابة فيه ، وتجرى فيه ، وتنقلهم إلى بلد لم يكونوا واصلين إليه بغيرها ، فقدرة اللّه تعالى فيها أظهر ، لأنها منشأة ترى نشأتها ، وهي تجرى بأمر اللّه تعالى ولا يجرونها . ويضرب الرماني مثلا فيما يجرى في المعنويات ، ومن ذلك قوله تعالى : أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ التوبة : 19 ] . ثم يقول : « وفي هذا إنكار لأن تجعل حرمة السقاية والعمارة كحرمة من آمن باللّه وكحرمة الجهاد ، وهو بيان عجيب وقد كشفه التشبيه بالإيمان الباطل والقياس ، وفي ذلك الدلالة على تعظيم حال المؤمن بالإيمان . وأنه لا يساويه مخلوق على صفته في القياس . ومثله قوله تعالى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ الجاثية : 21 ] . ونجد الرماني في المثال يأتي بالتشبيه منفيا مستنكرا ، كما أتى به محققا موجها ، فإن الاستفهام هنا لإنكار الواقع ، فهم قد آثروا أن يكونوا عامرين للبيت ، قائمين بالسقاية والرفادة ، وتنافسوا على ذلك زاعمين أن فيه الخير كله ، وأنه قد يغنيهم عن الإيمان باللّه ورسوله والجهاد في سبيله ، بل يزعمون أنهم بسدانة البيت الحرام ، والقيام على السقاية والرفادة أفضل ممن آمن باللّه وجاهد في سبيله . والحقيقة أنهما لا يستويان ، فالإنكار للمشابهة والتساوي بينهما فضلا عن اعتبار السقاية والعمارة أفضل وأشرف . واللّه سبحانه وتعالى أعلم . هذا ما ساقه الرماني من وجوه التشبيه ، وقد نقلناها ، كما نقلها الباقلاني لأنها وجوه لها اعتبارها ، ولأن فيها ضبطا لأقسام التشبيهات القرآنية ، وإن كانت غير شاملة لكل الأقسام ، بل إنها ذات وجوه شتى . ولكنه لم يتعرض إلا قليلا لأغراض التشبيهات ومراميها ، وما تصوره من صور بيانية ، وما تنتجه من بسط للمعاني النفسية ، وتوجيه للحقائق الكونية والروحية ، ووصف للملائكة الأطهار ، والآدميين الأخيار . ولنضرب بعض أمثلة القرآن الكريم التي تجعل فيها المعاني كأنها صور محسوسة لافتة للعقول إلى الكون وما فيه ، اقرأ قوله تعالى في تشبيه المنافقين وترددهم بين الحق والباطل ، وظهور ضوء الحق ، وعمى بصائرهم عنه ، فقد قال تعالى : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) [ البقرة : 17 ] ، وترى هنا تشبيه حال المنافق المضطرب بين