محمد أبو زهرة

183

المعجزة الكبرى القرآن

أرسل عليهم ريحا شديدة البرد ، في يوم كله بأس وشدة ، وهو كالنحس عليهم ، طويل في آلامه ، ومستمر فيها ولو كان الزمن قصيرا ، ثم يصور اللّه تعالى نزع المشركين من غرورهم واعتزازهم بمالهم وطغوائهم ، وينزعون بعنف شديد لا يقوون فيه على الامتناع ولا الإصرار على البقاء ، كما تنزع مؤخرات وجذور نخل غاصت في أعماق الأرض . هذا بريق التشبيه المرعد الذي يصور ما ينزل بالمشركين الذين طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد . ومن التشبيهات التي ذكرها الرماني على أنها تقرب ما لم تجر به العادة إلى ما جرت به العادة ، قوله تعالت كلماته : فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ ( 37 ) [ الرحمن : 37 ] وقال في التشبيه : قد أخرج ما لم تجر به عادة إلى ما قد جرت به عادة وقد اجتمعا في الحمرة وفي لين الجواهر السيالة ، وفي ذلك الدلائل على عظم الشأن ونفوذ السلطان لتنصرف الهمم إلى ما هناك بالأمل . وإن تصوير التشبيه ، وقصره على ذلك الوجه ، وهو تشبيه ما لم تجر به عادة إلى ما يجرى به عادة ربما يكون غير مصور لمعنى التشبيه ، وما يثير من صور . إن التشبيه تصوير لما يقع إذ تقوم القيامة ، فالسماء ذلك البناء الذي تجرى فيه الكواكب والنجوم ، كل في مساره ، وهي البناء الذي بناه اللّه تعالى شامخا عظيما ذا بروج صار وردة كالدهان . وفي ذلك تصوير للدنيا إذ تقوم القيامة ، فتكون السماء لينة كالورد الذي يشبه الدهن مبالغة في ليونته التي تصل إلى حد السيولة . 108 - ويسوق الرماني أمثلة يتبين فيها تشبيه ما لم يعلم إلا بالنظر بما يعلم بالبداهة من غير محاولة نظر واستدلال ، ومن ذلك قوله تعالى : وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ الحديد : 21 ] ، ويقول في التشبيه هنا : « قد أخرج ما لا يعلم بالبداهة إلى ما يعلم ، وفي ذلك البيان العجيب بما قد تقرر في النفس من الأمور ، والتشويق إلى الجنة بحسن الصفة مع ما لها من السعة وقد اجتمعا في العظم » . وإنا نجد الآية الكريمة في تشبيهها ليست من قبيل تشبيه ما لا يعلم بالبداهة بما يعلم بالبداهة ، فإننا نرى أن كليهما لا يعلم بمجرد البداهة ، بل يعلم بالنقل المصدق ، فهما سواء في صلتهما بالعلم الضروري ، وإنما إذا قيل أن المراد تصوير المعقول بما يتصور أن يكون مشهودا محسوسا ، والجميع بإخبار اللّه تعالى ، لا بمجرد النظر ، سواء كان الأمر ضروريا أم نظريا ، وإنا إذا تلونا ما قبل هذا النص وما بعده وهو قوله تعالى :