محمد أبو زهرة
181
المعجزة الكبرى القرآن
عطشان صاديا ، حتى إذا أجهدته المشقة وبعد الشقة لا يجد شيئا ، والثاني يعطى صورة لشخص كانت عليه الظلمات توضع واحدة فوق واحدة ، وإذا كانت فيها فرجة يرجو منها الرؤية لا يصل إليه النور للسحاب الذي كأنه الغمة ، ومن تشبيه الأمر غير المحسوس بالأمر المحسوس ، كالمثل السابق في قوله : مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ( 18 ) [ إبراهيم : 18 ] . ويقول الرماني في التعليق على التشبيه : « فهذا بيان قد أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه الحاسة ، فقد اجتمع المشبه والمشبه به في الهلاك وعدم الانتفاع ، والعجز من الاستدراك لما فات ، وفي ذلك الحسرة العظيمة والموعظة البليغة » هذا كلام الرماني ، وهو صدق ، وإني أذوق من التشبيه شيئا بيانيا آخر ، ذلك أن أولئك الكافرين كانوا يحسبون أن أعمالهم لها أثر في الوجود في زعمهم ، ويتوهمون وقوع ذلك وأنهم قدموا ، ولكنهم يفاجئون بريح شديدة في يوم عاصف ، تبدد ما كانوا عليه من أحلام ، كانوا يتوهمون أن ما لهم في الدنيا ينفعهم ، فلما جاء يوم القيامة بددت أحلامهم ، فتقدموا عاطلين في حلبة العمل الطيب ، وكان ذلك هو الضلال البعيد ، لأنهم زعموا باطلا ، ثم رأوا الحقيقة عيانا ، وفي ضمن القول عبر عن عملهم بأنه سراب ، أي أنه شئ ليست له قيمة ذاتية بل هو هباء في ذاته . 107 - وقد جاء الرماني بمثل فيه تشبيه ما لم تجر به العادة بما تجرى به العادة ، وهو قوله تعالى في توثيق الميثاق على بني إسرائيل : وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 171 ) [ الأعراف : 171 ] ، ويقول في ذلك الرماني : « وهذا بيان قد أخرج ما لم تجر به عادة إلى ما جرت به العادة ، وقد اجتمعا في معنى الارتفاع في الصورة ، وفيه أعظم الآيات لمن فكر في مقدورات اللّه تعالى عند مشاهدته لذلك أو علمه به ، ليطلب الخير من قبله ، ونيل المنافع بطاعته » . هذا ما ذكره الرماني في معنى التشبيه . وهو تشبيه ما لم تجر به العادة ، إلى ما جرت به العادة ، كأن التشبيه كان لغرض تقريب المعنى ، وتصوير الغريب كأنه قريب ، وذلك في تشبيه الجبل مرتفعا كأنه ظلة ، وهذا المعنى في ذاته صحيح ولكنه فيما أعتقد ، لا يصور معنى التشبيه من كل الوجوه ، لأن رفع الجبل كان لتوثيق الميثاق عليهم ، وحملهم على الأخذ به وإثبات قدرة اللّه تعالى ، وإلقاء المهابة في قلوبهم ، فالتشبيه بالظلة للدلالة على الإحاطة ، وتصويره لهم كأنه نازل بهم واقع عليهم ، ليعرفوا أن ميثاق اللّه له رهبته وأن عليهم طاعته ، ولذلك قال سبحانه بعد أن رأوا الجبل مرفوعا