محمد أبو زهرة

175

المعجزة الكبرى القرآن

المقت ) ، فمع أن الجاهلية ما كانت تحرمه بزعمها ، كانت تكرهه وتمقته ، ولا يفعله الكرام . ولما جاء النص الكريم بتحريم الأمهات ، وهن الأصول من عل استشرفت النفس لمعرفة حال البنات ، أتحل أم تحرم ، فجاء التحريم في وقت الاستشراف إليه ، والتطلع نحوه فكان البيان وقت الحاجة إليه ، وكذلك الأخوات وهن أولاد الآباء والأمهات والعلاقة بهن تلى العلاقة بالأولاد ، ثم جاء من بعد أولاد الأبوين ، وهن الأخوات ، أولاد الأجداد ، وهن العمات ثم الخالات فكانت كل طائفة ممهدة لذكر التي تليها ، تجذبها إليها بمقتضى تداعى المعاني ، كل معنى يدعو أخاه ، وكل واحدة تلتحم مع أختها في تآلف لفظي ، وتآخ معنوي . ولقد كانت المرضع تعد أما ، كالأم النسبية ؛ لأن هذه إذا كانت قد حملته في بطنها ، وغذته من دمها جنينا فتلك قد وضعته في حجرها وغذته من لبنها رضيعا وأنشزت عظامه ، وأنبتت لحمه ، كما كانت الأولى ، فكان من تداعى المعاني ، أن يذكر في إيجاز غير مخل ، الأمهات الرضاعيات من أولادهن ، ومن التقى معه على ثدي واحد . كان من مقتضى التناسق المعنوي أن تذكر بعد صلات النسب الصلات السببية ، وهي المصاهرة فابتدأ بأمهات الزوجات ، ثم اتجه الذهن بعد تحريم أمهات نسائكم إلى الربائب ، لأنه إذا ذكرت الأم تطلعت النفس إلى ذكر حكم البنت ، فذكر بعد تحريم أمهات الزوجات ما يتعلق بتحريم بنات النساء ، وهن الربائب ، وذكر حكمة التحريم وهي أنهن في حجره وكبناته . وإذا ذكرت أمهات الزوجات ، وبناتهن ، وزوجات الآباء ، يكون لتتميم القول ، ولما يستدعيه قانون تداعى المعاني أن تذكر زوجات الأبناء أهن حلال ، أم لا . وهكذا نرى أن المعاني كل واحدة تدعوها السابقة فتلاحقها في اتساق ونسق جامع . وكل ذلك في نغم متآخ ، وفي صورة بيانية من مجموع القول ، فعند ما تقرأ الآيات من أولها إلى آخرها ، تجد صورة بيانية ، لأسرة متكاملة ، ليس فيها تقاطع ، بل فيها تراحم ، وتواصل ومحبة ومودة ، فما كان ذلك التحريم إلا لتكون المودة هي الواصلة فلا يفحش ابن مع أبيه ، ولا يمقت ولد أباه ، ولا يعتدى أب على ابن . وإن ما اختص به القرآن من تقابل بين الحقائق في البيان ، وتوافق في العبارات من غير منافرة ، ولا معاضلة ، متحقق ثابت لا مجال لإنكاره ، وما اختصت به العبارات من إشراق وضياء ، تجده منيرا حول الكلمات .