محمد أبو زهرة
173
المعجزة الكبرى القرآن
وإن الحقيقة تستعمل في كثير من مواضع القرآن كالأحكام الشرعية التكليفية ، لأن بيانها يحتاج إلى أن تكون الكلمة محدودة المعنى ليتم القيام بموجبها ، وتكون الطاعة محدودة المعالم ، لا احتمال فيها ، إذ إن المطالبة بعمل توجب تعيينه بما لا يوجد فيه احتمال لمعنى غير المراد ، ليتم التكليف على بينة وعلم واضح بالمطلوب . وكذلك القصص ، فإن القصص ذكر لحقيقة ما وقع لتكون به العظة الكاملة ، بحيث يتجه التالي للقرآن إلى مغازى القصة ، ومراميها من غير تزيد ، كما رأينا في كثير من القصص القرآني فيما تلونا من قصص نوح وإبراهيم وموسى ويوسف من قبله ، فإنك ترى فيه الحقائق مجردة إلا من بيان وجه العبرة ، ولا تجد المجاز والتشبيه إلا قليلا . وكذلك الاستدلال على الوحدانية بالنظر في الكون وما اشتمل عليه ، والنظر في الشمس والقمر والنجوم المسخرات وهكذا ، مما يوجب الاتجاه مباشرة إلى الحقائق . 104 - وإن بلاغة الحقائق التي تذكر من غير استعانة بمجاز أو تشبيه لا تقل عن المواضع التي كان فيها تشبيه أو مجاز بالاستعارة أو غيرها ، فإن ذلك يكون لمعان مقصودة ، وغايات أخرى وراء فكرة البلاغة التي هي وصف عام للقرآن كله من غير تفاوت ، لأنها تتعلق بكتاب اللّه العزيز الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله ، ولو كان معه الجن والإنس ، كما قال تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 ) [ الإسراء : 88 ] . ويقول في ذلك الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن : « إن عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت ، ولا يتباين ، على ما يتصرف فيه من الوجوه التي يتصرف فيها من قصص ، ومواعظ واحتجاج ، وحكم وأحكام ، وإعذار وإنذار ، ووعد ووعيد ، وتبشير وتخويف ، وأوصاف ، وتعليم أخلاق كريمة وشيم رفيعة ، وسير مأثورة ، وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها ، وتجد كلام البليغ الكامل ، والشاعر المفلق ، والخطيب المصقع يختلف على حسب الأحوال » . وبعد أن يبين اختلاف البلغاء فيما يجددون من أبواب ثم يقصرون في غيرها فيقول : « وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه على حد واحد في حسن النظم وبديع التأليف والوصف لا تفاوت فيه ، ولا انحطاط عن المنزلة العليا . ولا إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا ، وكذلك تأملنا ما ينصرف فيه من وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة فرأينا الإعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف ، وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة تفاوتا وتبينا ، ويختلف اختلافا كبيرا ، ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة ، فرأيناه غير مختلف ولا