محمد أبو زهرة
170
المعجزة الكبرى القرآن
الراجح في نظري فيكون لإنكار الوقوع وإنكار الواقع ، وإذا كانوا يوبخون لأنهم لم ينظروا ، فالتوبيخ يكون دعوة للفعل ، وحثا على النظر . ومن الاستفهام الداخل على النفي ، قوله تعالى في قصة القرآن عن أنبائهم : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ( 9 ) قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ إبراهيم : 9 ، 10 ] ونجد في الاستفهام الذي صدرت به الآية الكريمة أن همزة الاستفهام دخلت على ( لم ) النافية ، فكان موضع الاستفهام عدم إتيان نبأ الذين من قلبهم ، ولو سرنا على ما يقتضيه السياق اللفظي للنص السامي يكون الاستفهام عن عدم الوقوع ومعناه أنه لم يأتكم ، وإذا كان الاستفهام للتقرير أو التنبيه فمؤداه أنه لم يأتكم ذلك ، وفي هذا تشويق لمعرفته ، وتوجيه لطلبه ، ولذلك جاء من بعد ذلك النبأ عن الرسل السابقين ، ويكون في هذا تثبيت الخبر لمن يطلبه مصغيا إلى حقائقه معتبرا بعبره . ولقد جرت بين كتاب علم البلاغة كلمة : نفى النفي إثبات ، ويطبقونه على استفهام يدخل على فعل منفى فيكون الاستفهام داخلا على منفى ، والاستفهام نفى ، فيكون نفيا لنفى ، ونفى النفي إثبات ، وإن ذلك يسير إذا كان الاستفهام للإنكار ، إنكار الوقوع ، فيكون إنكارا للمنفى فيكون إثباتا ، وقد قلنا أنه حتى في هذه الحال ، لا يخلو الاستفهام من تنبيه ، وإقرار بما جاء الاستفهام عنه ، ولكن الاستفهام الداخل على النفي يتضمن الحث على طلب الأمر المنفى الذي دخل عليه الاستفهام كما رأيت في قوله تعالى : أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كما تلونا من قبل ، وقد يكون إلى تلقى علم ما نفى في حيز الاستفهام كما رأيت في الآية السابقة . وقد يتضمن الحث على العمل ، والتحريض عليه إذا كان ذلك العمل غير محقق في الوجود ، أو هناك شروع في تحقيقه ، وذلك يكون غالبا عند نفى الأمر المستقبل كما نرى في قوله تعالى : أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 13 ) قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ( 14 ) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 15 ) [ التوبة : 13 - 15 ] . ونرى من ذلك أن الاستفهام دخل على النفي ، وهو عدم القتال أو عدم الأهبة له ، والاستعداد للتقدم ، فالمستفهم عنه عدم القتال والاستعداد له وقد وجدت أسبابه ، وتعددت موجباته ، فكان الاستنكار منصبا على النفي ، والاستنكار لحال مستمرة حث