محمد أبو زهرة

168

المعجزة الكبرى القرآن

ومن الاستفهام الذي للتنبيه إلى قدرة اللّه تعالى ، وهم لا ينكرون الجواب فيكون الاستفهام للإقرار به وتقريره قوله تعالى : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 31 ) فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ( 32 ) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 33 ) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 34 ) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 35 ) وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ( 36 ) [ يونس : 31 - 36 ] . ففي الآية الأولى كانت أربعة استفهامات عن الرزق من يرزقه وعمن يملك السمع والأبصار فيسلبهما إن شاء أو يبقيهما ، ويردهما إن سلبهما ، وسألهم عمن يخرج الحي من الميت ومن يدبر الأمر ، فسيقولون اللّه في إجابة هذه الأسئلة ، فجاء الاستفهام الأخير في هذه محرضا على التقوى ، إذ إن التقوى كانت من نتائج إقرارهم بالإجابة الصادقة عن هذه الأسئلة التقريرية التنبيهية إذ إن العبادة لا تكون إلا للخالق وحده ، فالمعبود الذي يستحق أن يكون إلها هو الخالق النافع الضار . ونرى أن الأسئلة كانت إجاباتها بالإيجاب لا بالسلب ، وبين سبحانه وتعالى ما ترتب على الإيجاب بإقرارهم الصريح ، وهو أن تمتلئ قلوبهم بتقوى اللّه تعالى ، فلا تعبد غيره . وجاءت الآيات بعد ذلك أسئلة ، الإجابة في بعضها بالسلب ، لأنها خاصة بما يشركون بها عبادة اللّه سبحانه وتعالى من أوثان ، وغيرها . الاستفهام الأول كان عن شركائهم هل يفعلون ما قرروا أن اللّه يفعله ، ولسان حالهم أن يجيبوا بالسلب لأنهم يرون أنهم لا يضرون ولا ينفعون ، وسألهم عمن يبدأ الخلق ثم يعيده ، ولسان حالهم يقوله : اللّه . وهكذا نرى أن الاستفهام في كل هذه المقامات في القرآن كان لإثارة التنبيه إلى الحقائق وإذا انتبهت العقول اتجهت إلى طلب الحق في غير عوج بل بطريق مستقيم . وإني أحسب أنه بعد أن نزل القرآن وأشرب الناس مناهجه ومسالكه ، كان من أجود الطرق التعليمية إثارة الانتباه بالاستفهام تنبيها إلى ما يوجه إلى التلاميذ من علم ، فكان استفهام القرآن موضحا أقوم المسالك للتنبيه إلى الحقائق وإثارة الأفهام إليها ، وتفتيح الذهن لتدخل عليه المعاني ، والحقائق العلمية .