محمد أبو زهرة

166

المعجزة الكبرى القرآن

ولا للإنكار ولا للتعجب ، ولا لغير ذلك مما ذكرناه مقاصد للاستفهام ، وفي النص القرآني تأكيد لجحود الذين كفروا ، والإشارة إلى أنهم سبقوا إلى الجحود ، فالأدلة مهما تكن قوية لا تجد مكانا فارغا لتملأه ولكنها تجد قلبا مملوءا جحودا ، فلا سبيل لأن يدخل الحق ، ومن ذلك قوله تعالى : سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ( 21 ) [ إبراهيم : 21 ] . فهنا كانت التسوية بين أمرين من حيث الانتهاء إلى نتيجة واحدة ، فإن الأمر الذي لا يكون ثمة مفر منه ، يستوى فيه الصبر والجزع من حيث إن كليهما لا يدفع المحظور ، وإن كان الصبر أجدى لأنه يوجد في الجملة قرارا ورضا وتقديرا للأمر . كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن صبرتم أجرتم ، وإن جزعتم وزرتم » . وقد تكون ألف الاستفهام للترديد بين أمرين في ظاهر القول ، وليست الغاية متحدة ، والعقل يقرر صدق أحدهما في قوله تعالى أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها ( 27 ) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ( 28 ) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها ( 29 ) [ النازعات : 27 - 29 ] فإن هذا الاستفهام ليس فيه تسوية بين أمرين في الحكم أو النتيجة والغاية ، بل المعقول يثبت أحدهما ، وينقض الآخر بدليل من العقل والحس ، فإنه لا شك أن الأشد خلقا هو الأكبر حسا ، والأعظم تأثيرا ، والأدق إحكاما ، وهو السماء بما يتصف فيها ، وإذا كان سبحانه مالك السماوات والأرض ، وما بينهما ، وما فيهما ، من دابة فهو على ما يشاء قدير . ومؤدى هذا الكلام نفى سلبى وحكم إيجابي ، فأما النفي السلبي فهو أن الإنسان ليس أشد خلقا ، وأما الحكم الإيجابى ، فهو بيان سلطان اللّه سبحانه وتعالى القاهر فوق كل شئ . وهذا النوع من الترديد إنما يكون دائما لحمل المخاطب على الحكم الصحيح فهو لا يدل على التسوية ، بل يدل على التفرق في الحكم ولينطقوا بالصواب أو ليلتزموا به ، إن لم ينطقوا ، أو ليفحموا إن لم يسترشدوا وضلوا ، وهو استدلال على الحكم ، ومن ذلك النوع من الاستفهام قوله تعالت كلماته : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ( 58 ) أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ( 59 ) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 60 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ ( 61 ) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ ( 62 ) أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ( 63 ) أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ( 64 ) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ( 65 ) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ( 66 ) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ( 67 ) أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ( 68 ) أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ( 69 ) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ ( 70 ) أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ( 71 ) أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ