محمد أبو زهرة

151

المعجزة الكبرى القرآن

وتكررت المأساة بين اليهودي الذي استنصره بالأمس ومصرى آخر ، فيقوى صوت الضمير على استغاثة اليهودي ، ويعلم أنه فرعونى ضالّ كثير الشكاس ، وأن المصري مظلوم في معاملته ، ولكنه مع ذلك تغالبه في نفسه مشاعر ، فيهم بأن يبطش بالذي هو عدو لهما . عندئذ نطق المصري لائما ، مذكرا موسى بأنه يريد أن يكون جبارا في الأرض ، وما يريد أن يكون من المصلحين الذين يعملون على الإصلاح بين المتخاصمين من غير إضافة اعتداء إلى اعتداء ، ويقول له في عتب لائم : إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ( 19 ) [ القصص : 19 ] . وموسى في نفس حائرة بين عز الدنيا وقد تركه وراء ظهره ، وجعل نداءه دبر أذنه ، وبين الحق والعدل والإخلاص وهو إلى الثاني يميل ، ومن الأول ينفر ، وبينا هو على هذه الحال يتردد بين ماض مريح ، وجديد يريد أن يخوض في شدائده ، ليعيش كما يعيش قومه ، فيشاركهم في ضرائهم وإذا النذير ينذره : وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ( 20 ) [ القصص : 20 ] . قضى الأمر ، وانتهت الحيرة ، واستقبل الحياة الجديدة بلأوائها وجها لوجه ، ولنترك القول لكتاب اللّه تعالى يذكر لنا حاله من بعد ذلك الإنذار . إذ نجد التصوير الذي تعجز عنه كل أدوات التصوير الساكن والمتحرك ، وهو يصور موسى قد أحس بخطر قوم فرعون ، وفرعون ، وآل مصر ، يترقبونه ، فاللّه يقول في كلام مصور للأرواح والأشباح : فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 21 ) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ( 22 ) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ( 23 ) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ( 24 ) [ القصص : 21 - 24 ] . تصوير للحيرة . فربيب النعمة خائف يترقب المتتبع والمترصد ، ويتوجه من ريف مصر وخضرته إلى لفح الصحراء وجدبها ، ثم هو يحس بالحاجة وهو الذي كان يتناول ويرمى ، وإذ لفحته الشمس أوى إلى الظل ، لا يرجو إلا اللّه ويعلم أن اللّه تعالى لا يتخلى عنه . وإني مهما أحاول من تصوير للقصة بعبارتي ، فلن نصل إلى ما يقع في نفس القارئ إذا تلاها مجردة من غير تعليق عليها ، إنها تصور ربيب النعمة في صورة كأنها المرئية ، وكأنها مشاهدة محسوسة ، وليس أخبارا مكتوبة أو متلوة . إنه حائر ، فيفاجأ بإحدى المرأتين تأتيه تمشى على استحياء ، وهي تدعوه إلى أبيها ليجزيه أجر ما سقى لهما ، ويذهب الشاب القوى إلى الشيخ الضعيف ، وهنا يرى