محمد أبو زهرة
141
المعجزة الكبرى القرآن
التصريف البياني في قصص القرآن : ذكر اللّه تعالى الحقائق الإسلامية في القصص ، فلم يكن عبرة فقط بل كان بيانا لحقائق الإسلام ، فتجد فيه بيانا لعقيدة التوحيد ، والبرهان عليها جاء في سياق القصص عن النبيين السابقين . فقد رأيت في قصص سيدنا إبراهيم عليه السلام ، كيف كانت الدعوة إلى التوحيد ، وكيف أبطل عبادة الأوثان بأنها لا تضر ولا تنفع ، وأنه جعلها جذاذا إلا كبيرا لهم ، وأنهم أرادوا عقوبته بالحرق بالنار ، فجعلها اللّه تعالى بردا وسلاما على إبراهيم . واقرأ بعض القصص عن سيدنا نوح الأب الثاني للبشر ، ترى الأدلة على التوحيد بأن نجد في بعضها أدلة التوحيد تساق للضالين ، ويوجه أنظارهم إلى الكون وما فيه فقد قال تعالى : قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 2 ) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ( 3 ) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 4 ) قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً ( 5 ) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً ( 6 ) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً ( 7 ) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ( 8 ) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً ( 9 ) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ( 10 ) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ( 11 ) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ( 12 ) ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ( 13 ) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً ( 14 ) أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ( 15 ) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ( 16 ) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ( 17 ) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً ( 18 ) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً ( 19 ) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً ( 20 ) [ نوح : 2 - 20 ] . ألم تر في هذه النصوص السامية تسلية واضحة للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، إذ فيها بيان ما لقيه نوح ، وكيف كانت الأدلة القاطعة لا تزيدهم إلا نفورا من الحق وفرارا من اتباعه ، وإصرارا على الباطل ، وفي كل ذلك عزاء للنبي صلى اللّه عليه وسلم لئلا تذهب نفسه حسرات على كفر الكافرين وجحودهم بعد الأدلة القاطعة . ومع هذا العزاء الروحي ، والعبرة التي تريح الدعاة إلى الحق ، نجد في السياق البرهنة على التوحيد ، وأن اللّه تعالى وحده هو الخالق وأنه بالتالي المستحق للعبادة وحده ، فلا معبود سواه . وسوق الأدلة على التوحيد في سياق قصة ، يجعله يسرى إلى النفس من غير مقاومة ، وتكراره يجعله يخط في النفس خطوطا ، وتتعمق الخطوط فيكون الإيمان .