محمد أبو زهرة
118
المعجزة الكبرى القرآن
للعقل ، بحيث تكون أمة ذلولا لا سيدا مطاعا ، وما تخاذل قوم عن نصرة الحق إلا لأن الشهوات قد استولت على نفوسهم ، وصار السائد على الجماعة الهوى المطاع ، والشح المتبع ، ولذلك نص اللّه سبحانه وتعالى على أن الجماعة الفاضلة هي التي تتواصى على الحق ، فلا يذل صاحب حق ولا يعلو أهل الباطل ، وتتواصى على الصبر ، وضبط النفس ، وقدعها عن أهوائها وشهواتها . وفي القرآن السور المتوسطة التي ليست بالطوال ولا القصار ، ومنها ما يقرب من الطوال ومنها ما هو قريب من القصار ، وهي مشتملة على جل مقاصد الشريعة الإسلامية في عبارة موجزة ، مثيرة ، ولكن بوضوح ، ومبينة ولكن بإيجاز . وكأن اللّه سبحانه وتعالى بذلك التصريف في السور بين الطويل ، والمتوسط والقصير ، وكلها في أعلى درجات البلاغة يقدم مائدته الكبرى وهي القرآن للناس أجمعين : ذوى العلم الذين يتسع علمهم للإحاطة بالسور الطوال وما فيها من علم بالشريعة وما فيها من علم الكون الذي لا يحيط به من دونهم ، وهم أوتوا مدارك تسمو إليها ، وتستخرج من كنوزها جواهر . وأعطى الذين يشغلهم أسباب الرزق عن الإحاطة قصار السور ، وفيها غناء لا قصور فيه ، بل إنه كمال في كمال . وبين هؤلاء وأولئك الذين يطلبون السور المتوسطة طولا ، وهم الشادون في العلم الذين لهم من وقتهم ما يمكنهم أكثر ممن كانت لهم قصار السور . وقد يقول قائل : هل تقسيم القرآن إلى سور قصار وما بينهما تنزيل من اللّه تعالى ؟ ونقول في الجواب عن ذلك : إن ترتيب السور بوحي من اللّه تعالى وقد بينا ذلك فيما أسلفنا من قول في جمع القرآن . التكرار في القرآن 74 - كانت السور منها القصار ومنها الطوال ، وإن الجميع بترتيب من الوحي الإلهى ولم يكن من عمل النبي صلى اللّه عليه وسلم من غير وحى بل هو من توقيف اللّه تعالى ووحيه ، وإن وضع الآيات بعضها بجوار بعض من وحى اللّه تعالى ، إذ كانت الآية إذا نزلت على النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر بوضعها في مكانها من السورة التي يعينها بالوحي النازل عليه ، والذي كان لا ينى عن الاتصال به فيما يتعلق بالقرآن الكريم . وإن ذلك من الإعجاز إذ إن الآيتين المتلاصقتين مع أنهما قد تكونان نزلتا في زمنين متباعدين ، نجد أن كل واحدة لقف للأخرى ، هما صنوان متلازمتان متآخيتان ، وذلك من سر الإعجاز ودلائله ، إذ إن التناسق البياني بينهما متصل ، والمعاني متلاقية ، وكل واحدة منهما تتم الأخرى