محمد أبو زهرة
113
المعجزة الكبرى القرآن
وإنه يذكر أن ألفاظ القرآن مختارة تدل على أدق معانيها ، فمثلا ذكر عن إخوة يوسف عليه السلام أنهم قالوا أكله الذئب ، ولم يقولوا افترسه ، لأنهم لو قالوا افترسه لطالبهم ببعض أثره ، والأكل إفناء الجسم في جسم . وإن الخطابي ليقول في بحثه القيم : « اعلم أن القرآن إنما صار معجزا ؛ لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمنا أصح المعاني من توحيد له عزت قدرته ، وتنزيه له في صفاته ، ودعاء إلى طاعته ، وبيان بمنهاج عبادته ، من تحليل وتحريم ، وحظر وإباحة ، ومن وعظ وتقويم ، وأمر بمعروف ونهى عن منكر ، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساوئها ، واضعا كل شئ منها في موضعه الذي لا يرى شئ أولى منه ، ولا يرى في صورة العقل أمر أليق منه » . وإذا كانت ألفاظ القرآن ومعانيه لها ذلك المكان الأسمى الذي لا يمكن أن يناهد إلى سمائه إنسان أو جن ، شرقي أو غربى ، فإن في القرآن مع جمال الألفاظ ورونق الأسلوب ، خاصة لا يصل إليها أحد في الألفاظ والأسلوب والمعاني . وقد قسم الخطابي الكلام البليغ إلى أجناس ثلاثة ، ومراتبها في نسبة التبيان متفاوتة ، ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية « فمنها البليغ الرصين الجزل ، ومنها الفصيح القريب السهل ، ومنها الجائز الطلق السلس ، وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود ، دون النوع الهجين المذموم الذي لا يوجد في القرآن شئ منه البتة » . وإن هذا الكلام لا يمكن أن يمر من غير أن نبدى عليه ملاحظة لاحظناها ، أنه يفرض أن الكلام البليغ يتفاوت بتفاوته في الجزالة والسلاسة والسهولة ، وهذا يوهم أن القرآن الكريم تتفاوت بلاغته ، وهذا الزعم باطل ، فالقرآن كله رتبة واحدة في البلاغة في المنزلة التي لا يمكن أن يسمو إليها بليغ ، لأن البلاغة أن يكون الكلام موافقا لمقتضى الحال ، فالعبارات الجزلة القوية تكون في موضع الإنذار ، والعبارات السهلة غير المسترسلة تكون في التبشير ، والعبارات المسترسلة في مواضع التنبيه إلى وجوب التفكير والتدبر ، وكل بليغ في موضعه ، ولا يختار سواه ، فلا تكون عبارات الإنذار كعبارات التبشير ، ولا تكون عبارات الدعوة إلى التأمل كعبارات التهديد والتخويف ، هذه ملاحظة أبديناها على عبارة الخطابي وكان حقا علينا أن نبديها فلا نجعلها تمر بغير تعليق . وإن الخطابي قد بين أن القرآن الكريم قد اشتمل على الأجناس الثلاثة في عبارات قيمة حازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة ، وأخذت من كل نوع من أنواعها شعبة ، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة وهما على الانفراد كالمتضادين ؛ لأن العذوبة نتاج السهولة ، والجزالة والمتانة في الكلام تعالجان نوعا من الوعورة ، فكان اجتماع الأمرين في نظمه