محمد أبو زهرة

109

المعجزة الكبرى القرآن

الإنسان الكامل ، فهم ضعفاء ، وإن ظهروا كأنهم الأقوياء ، فجنود السلطان الغاشم لا يعتبرون الأقوياء ، لأنهم أداة طائعة ، وإمعات طامعة . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ذكر الضعفاء تمهيدا لبيان مظاهر الطغيان الذي يفعله الملوك مع من يتحكمون فيهم بحكم الهون والفساد ، لا بحكم المصلحة والرشاد ، وأنهم يرتكبون أقصى ما تتصوره العقول من تذبيح وتقتيل ، ولذا قال تعالى يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ، وإن ذلك شأن الطغيان دائما ، يقتل نخوة الأمة بقتل شبابها . أو زجهم في غيابات السجون من غير أمد ، ومن غير حكم ، كما رأينا في حكم الدكتاتورية في ألمانيا ، وفي إيطاليا ، وهكذا ، وقد رأينا مثل ذلك في العراق . وقد ختم اللّه تعالت كلماته النص السامي بالباعث على الطغيان والتحكم والاستعلاء ، وتفريق الأمة ، فقال : إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ، أي أن الفساد مستحكم متغلغل في أطواء نفسه ، وقد بعثه على جعل الأمة متفرقة ، وتحكيم طائفة في طائفة ، فأغرى بينهم العداوة والبغضاء ، يحس كل فريق منهم بأنه مظلوم ، وظالمه هو الفريق الآخر ، يتظالمون فيما بينهم ، ويتعادون ، ليتمكن الظالم من ظلمهم والتحكم في رقابهم ، وأن يقول لهم : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ، ولا ينكر أحد ، ولو في قلبه ؛ لأن كل فريق يتهم الآخر بأنه عين عليه ، ويريد النكاية به . وقد أكد سبحانه وصف الإفساد فيهم بأن وبكان الدالة على أن الفساد كان في الماضي ، ومستمر في الحاضر ، وببيان أنه داخل في ضمن المفسدين في الأرض إخوان إبليس ، وينطبق عليه قوله تعالى في شأن الظالمين الذين يمنون الناس الأماني ويكذبون ويخلفون ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ( 204 ) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ( 205 ) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ ( 206 ) . [ البقرة : 204 - 206 ] وإن هذا الوصف الذي ساقه اللّه تعالى للوالي الفاسد ، هو وصف فرعون ، ومن استعلى واستكبر ، ووصف لكل طاغية من طغاة الدنيا يمنى الناس الأماني ، حتى إنه ليصور لهم أنه سيجعل لهم الأرض نعيما ، وخيراتها لبنا وعسلا ، حتى إذا حكم تحكم ، وكانت شهوته نظاما ، وهواه حكما ، ولا بد أن يرضى الناس حكومته طوعا أو كرها ، ومن قال له اتق اللّه قطع عنقه ، أو سلط عليه كلابه الذين جعلوا أنفسهم ملكا له ، يملك رقابهم ، ويظنون أنفسهم الأحرار ، وهم العبيد حقا . 67 - هذا ما تصوره الآيات في وصف فرعون وأمثاله من الطواغيت الذين يظهرون في العصور المختلفة ، وإذا لم يتسموا باسم فرعون ، ففيهم صفاته وفعاله ، وفي