محمد أبو زهرة
105
المعجزة الكبرى القرآن
ملومون لأنهم جميعا نووا وهموا أن ينفذوا ما نووا ، والتلاوم هنا ليس هو الاختلاف الذميم ، ولكنه من الإحساس الكريم ، إذ إنهم أحسوا بأن عبء المعصية كاملا ينوء بكل واحد منهم ، فيريد أن يلقى جزءا منه على صاحب له ، وإن اتفاقهم لا يجيء من غير داع منهم ، فإذا كان أوسطهم دعاهم إلى الخير ولم يستجيبوا فقد وجد منهم من دعا إلى الشر واستجابوا له ، وكان شرهم متعدد الأطراف ، فكان كل منهم قد دعا إلى ناحية دون الأخرى ، وهنا نجد أن التعبير بالتلاوم لا يدل على الفرقة والانقسام ، بل إنه في هذا لا ينافي الالتئام . وإنهم ينتهون من هذا التلاوم الذي ابتدأ بالألم من عبء المعصية ، ينتهون بعد التلاوم لفرط إحساسهم بالندم إلى أن يقولوا : قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ ( 31 ) كان الإقرار بالذنب في هذه المرة أقوى من الإقرار أولا ، لأنهم أحسوا بالهلاك الشديد ينزل بهم ، قالوا منادين الويل : يا وَيْلَنا ، أي أيها الويل النازل باستحقاق أقبل فإن ذلك وقتك ، ونحن موضعه ولا نتزايل عنه ولا نخرج ، وعللوا الويل الذي يستحقونه بأنهم كانوا طاغين ، والطغيان دائما يؤدى إلى الظلم ، فإذا كانوا في الآية السابقة قد اعترفوا بالظلم ، ففي هذا النص السامي اعترفوا بسببه ، وهو الطغيان ، والطغيان يبتدئ من وقت أن يحس الشخص بأنه استغنى عن معونة غيره ، كما قال اللّه تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ( 7 ) [ العلق : 6 ، 7 ] ، وقد ظنوا أنهم لا يحتاجون إلى معونة أحد ، وأن اللّه لا يمنعهم خيرا أوتوه ، وأن الأرض أرضهم والعمل عملهم ، والكسب كسبهم وحسبوا أن الثمرات آتية لا محالة . بعد ذلك اتجهوا خاضعين إلى ربهم ، معتقدين أن الخير بيده ، وأن لا سلطان إلا سلطانه ، فاتجهوا بالرجاء بعد أن رأوا المنع جهارا نهارا وقالوا راجين : عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ ( 32 ) هنا كان التفويض كاملا ، وإن ذلك النص الكريم يفيد في تفويضهم ثلاثة أمور في أجمل تعبير من اللّه تعالى عن ضمائرهم الخائفة ، بعد أن خلعوا رداء الطغيان : أولها : الرجاء ، والرجاء يتضمن معنى التفويض من ناحية أنهم لا يرجون إلا من اللّه ، ومن ناحية أن كل ما يكون من اللّه تعالى - خير ، فإذا كان نزل بهم ما يكرهون ، فعسى أن يكون الخير في هذا الحرمان ، كما قال تعالى : فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ( 19 ) [ النساء : 19 ] ، ومن الخير أن هذبت نفوسهم ، وإذا كان حالهم من قبل حال طغيان وغرور ، فعسى أن يعطيهم اللّه تعالى بديلا لما منعوه ، ويكون معه الاطمئنان . ثانيها : الاتجاه إلى اللّه تعالى مالك أمورهم ، ومربيهم ، والكالئ لهم والحامي ، والشعور بالمساواة مع المساكين في ربوبية اللّه الخالق لكل شئ .