الغزالي
486
إحياء علوم الدين
لا تتهيأ لقبول نور النظر إلى وجه الله عز وجل ، ولا نطيق احتماله ، ولا تستعد للاكتحال به لقصورها ، وإنها إن أمدت في الدار الآخرة بالبقاء ونزهت عن أسباب التغير والفناء استعدت للنظر والإبصار ، ولكنها بقصد البيت والنظر إليه تستحق لقاء رب البيت بحكم الوعد الكريم . فالشوق إلى لقاء الله عز وجل يشوقه إلى أسباب اللقاء لا محالة . هذا مع أن المحب مشتاق إلى كل ماله إلى محبوبه إضافة ، والبيت مضاف إلى الله عز وجل ، فبالحري أن يشتاق إليه لمجرد هذه الإضافة ، فضلا عن الطلب لنيل ما وعد عليه من الثواب الجزيل وأما العزم : فليعلم أنه بعزمه قاصد إلى مفارقة الأهل والوطن ، ومهاجرة الشهوات واللذات ، متوجها إلى زيارة بيت الله عز وجل . وليعظم في نفسه قدر البيت وقدر رب البيت ، وليعلم أنه عزم على أمر رفيع شأنه خطير أمره ، وأن من طلب عظيما خاطر بعظيم ، وليجعل عزمه خالصا لوجه الله سبحانه بعيدا عن شوائب الرياء والسمعة . وليتحقق أنه لا يقبل من قصده وعمله إلا الخالص ، وأن من أفحش الفواحش أن يقصد بيت الملك وحرمه والمقصود غيره ، فليصحح مع نفسه العزم ، وتصحيحه باخلاصه ، وإخلاصه باجتناب كل ما فيه رياء وسميعة . فليحذر أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير وأما قطع العلائق : فمعناه رد المظالم والتوبة الخالصة لله تعالى عن جملة المعاصي ، فكل مظلمة علاقة ، وكل علاقة مثل غريم حاضر متعلق بتلاييبه ينادى عليه ويقول له : إلى أين تتوجه ؟ أتقصد بيت ملك الملوك وأنت مضيع أمره في منزلك هذا ، ومستهين به ، ومهمل له : أولا تستحي أن تقدم عليه قدوم العبد العاصي فيردك ولا يقبلك ، فان كنت راغبا في قبول زيارتك فنفذ أوامره ، ورد المظالم ، وتب إليه أولا من جميع المعاصي ، واقطع علاقة قلبك عن الالتفات إلى ما وراءك ، لتكون متوجها إليه بوجه قلبك ، كما انك متوجه إلى بيته بوجه ظاهرك ، فإن لم تفعل ذلك لم يكن لك من سفرك أولا إلا النصب والشقاء ، وآخرا إلا الطرد والرد . وليقطع العلائق عن وطنه قطع من انقطع عنه وقدر أن لا يعود إليه وليكتب وصيته لأولاده وأهله ، فان المسافر وماله لعلى خطر إلا من وقى الله سبحانه . وليتذكر عند قطعه العلائق لسفر الحج قطع العلائق لسفر الآخرة ، فان ذلك بين يديه على القرب ، وما يقدمه من هذا السفر طمع في تيسير ذلك السفر فهو المستقر وإليه المصير ، فلا ينبغي أن يغفل عن ذلك السفر عند الاستعداد بهذا السفر