الغزالي
484
إحياء علوم الدين
ثم الخروج ، ثم المسير في البادية ، ثم الإحرام من الميقات بالتلبية ، ثم دخول مكة ثم استتمام الأفعال كما سبق . وفي كل واحد من هذه الأمور تذكرة للمتذكر ، وعبرة للمعتبر ، وتنبيه للمريد الصادق ، وتعريف وإشارة للفطن . فلنرمز إلى مفاتحها حتى إذا انفتح بابها وعرفت أسبابها انكشف لكل حاج من أسرارها ما يقتضيه صفاء قلبه وطهارة باطنه وغزارة فهمه أما الفهم : فاعلم أنه لا وصول إلى الله سبحانه وتعالى إلا بالتنزه عن الشهوات ، والكف عن اللذات ، والاقتصار على الضرورات فيها ، والتجرد لله سبحانه في جميع الحركات والسكنات ، ولأجل هذا انفرد الرهبانيون في الملل السالفة عن الخلق ، وانحازوا إلى قلل الجبال ، وآثروا التوحش عن الخلق ، لطلب الأنس با لله عز وجل ، فتركوا لله عز وجل اللذات الحاضرة ، وألزموا أنفسهم بالمجاهدات الشاقة طمعا في الآخرة ، وأثنى الله عز وجل عليهم في كتابه فقال * ( ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ ورُهْباناً وأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) * « 1 » ) فاما اندرس ذلك وأقبل الخلق على اتباع الشهوات ، وهجروا التجرد لعبادة الله عز وجل ، وفتروا عنه ، بعث الله عز وجل نبيه محمدا صلَّى الله عليه وسلم لاحياء طريق الآخرة وتجديد سنة المرسلين في سلوكها [ 1 ] فسأله أهل الملل عن الرهبانية والسياحة في دينه فقال صلَّى الله عليه وسلم « أبدلنا الله بها الجهاد والتّكبير على كلّ شرف » يعنى الحج . « وسئل صلَّى الله عليه وسلَّم [ 2 ] عن السّائحين فقال هم الصّائمون » فأنعم الله عز وجل على هذه الأمة بأن جعل الحج رهبانية لهم . فشرف البيت العتيق بالإضافة إلى نفسه تعالى ، ونصبه مقصدا لعباده ، وجعل ما حواليه حرما لبيته تفخيما لأمره ، وجعل عرفات كالميزاب على فناء حوضه ،
--> « 1 » المائدة : 82