الغزالي

479

إحياء علوم الدين

الثالث : التوسع في الزاد وطيب النفس بالبذل والإنفاق من غير تقتير ولا إسراف ، بل على الاقتصاد ، وأعنى بالاسراف التنعم بأطايب الأطعمة والترفه بشرب أنواعها على عادة المترفين ، فأما كثرة البذل فلا سرف فيه ، إذ لا خير في السرف ولا سرف في الخير كما قيل ، وبذل الزاد في طريق الحج نفقة في سبيل الله عز وجل ، والدرهم بسبعمائة درهم ، قال ابن عمر رضي الله عنهما : من كرم الرجل طيب زاده في سفره . وكان يقول : أفضل الحاج أخلصهم نية وأزكاهم نفقة . وأحسنهم يقينا . وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « الحجّ المبرور ليس له جزاء إلَّا الجنّة . فقيل له يا رسول الله : ما برّ الحجّ ؟ فقال : طيب الكلام وإطعام الطَّعام » الرابع : ترك الرفث والفسوق والجدال كما نطق به القرءان . والرفث اسم جامع لكل لغو وخناء وفحش من الكلام ، ويدخل فيه مغازلة النساء ومداعبتهن ، والتحدث بشأن الجماع ومقدماته ، فان ذلك يهيج داعية الجماع المحظور ، والداعي إلى المحظور محظور . والفسق اسم جامع لكل خروج عن طاعة الله عز وجل . والجدال هو المبالغة في الخصومة والمماراة بما يورث الضغائن ويفرق في الحال الهمة ويناقض حسن الخلق . وقد قال سفيان : من رفث فسد حجه . وقد جعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلم طيب الكلام مع إطعام الطعام من بر الحج ، والمماراة تناقض طيب الكلام ، فلا ينبغي أن يكون كثير الاعتراض على رفيقه وجماله ، وعلى غيره من أصحابه ، بل يلين جانبه ، ويخفض جناحه للسائرين إلى بيت الله عز وجل ، ويلزم حسن الخلق . وليس حسن الخلق كف الأذى بل احتمال الأذى . وقيل سمى السفر سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال . ولذلك قال عمر رضي الله عنه لمن زعم أنه يعرف رجلا : هل صحبته في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق ؟ قال لا ، فقال : ما أراك تعرفه الخامس : أن يحج ماشيا إن قدر عليه ، فذلك الأفضل . أوصى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بنيه عند موته فقال : يا بني حجوا مشاة فان للحاج الماشي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة من حسنات الحرم ، قيل : وما حسنات الحرم : قال الحسنة بمائة ألف . والاستحباب في المشي في المناسك ، والتردد من مكة إلى الموقف وإلى منى آكد منه في الطريق ،