الغزالي

397

إحياء علوم الدين

في بيته لأوغر بذلك صدره . هذا إن كان نظره إلى الله عز وجل ، وإن كان نظره إلى نفسه وثوابه في الآخرة فليس بعاقل من يؤثر غيره على نفسه ، وليس له من ماله إلا ما تصدق به فأبقى ، أو أكل فأفنى ، والذي يأكله قضاء وطرفي الحال ، فليس من العقل قصر النظر على العاجلة وترك الادخار . وقد قال الله تعالى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا من طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ من الأَرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْه تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيه إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيه ) * « 1 » أي لا تأخذوه إلا مع كراهية وحياء وهو معنى الإغماض فلا تؤثروا به ربكم . وفي الخبر [ 1 ] « سبق درهم مائة ألف درهم » وذلك بأن يخرجه الإنسان وهو من أحل ماله وأجوده ، فيصدر ذلك عن الرضا والفرح بالبدل ، وقد يخرج مائة ألف درهم مما يكره من ماله فيدل ذلك على أنه ليس يؤثر الله عز وجل بشيء مما يحبه ، وبذلك ذم الله تعالى قوما جعلوا لله ما يكرهون ، فقال تعالى : * ( ويَجْعَلُونَ لِلَّه ما يَكْرَهُونَ وتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا ) * « 2 » وقف بعض القراء على النفي تكذيبا لهم ، ثم ابتدأ وقال : * ( جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ ) * « 3 » أي كسب لهم جعلهم لله ما يكرهون النار الوظيفة الثامنة : أن يطلب لصدقته من تزكو به الصدقة ، ولا يكتفى بأن يكون من عموم الأصناف الثمانية ، فان في عمومهم خصوص صفات ، فليراع خصوص تلك الصفات ، وهي ستة : الأولى : أن يطلب الأتقياء المعرضين عن الدنيا المتجردين لتجارة الآخرة ، قال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « لا تأكل إلَّا طعام تقيّ ولا يأكل طعامك إلَّا تقيّ » . وهذا لأن التقى يستعين به على التقوى ، فتكون شريكا له في طاعته بإعانتك إياه . وقال صلَّى الله عليه وسلَّم [ 3 ] « أطعموا طعامكم الأتقياء وأولوا معروفكم المؤمنين » وفي لفظ آخر [ 4 ] « أضف بطعامك من تحبّه في الله تعالى » . وكان بعض العلماء يؤثر بالطعام فقراء الصوفية دون غيرهم

--> « 1 » البقرة : 62 « 2 » النحل : 62 « 3 » النحل : 62