الغزالي
435
إحياء علوم الدين
ودونه درجة أخرى وهو صوم نصف الدهر : بأن يصوم يوما ويفطر يوما ، وذلك أشد على النفس وأقوى في قهرها . وقد ورد في فضله أخبار كثيرة ، لأن العبد فيه بين صوم يوم وشكر يوم ، فقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « عرضت علىّ مفاتيح خزائن الدّنيا وكنوز الأرض فرددتها وقلت أجوع يوما وأشبع يوما أحمدك إذا شبعت وأتضرّع إليك إذا جعت » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « أفضل الصّيام صوم أخي داود : كان يصوم يوما ويفطر يوما » ومن ذلك [ 3 ] منازلته صلَّى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في الصوم وهو يقول إني أطيق أكثر من ذلك فقال صلَّى الله عليه وسلم « صم يوما وأفطر يوما ، فقال إني أريد أفضل من ذلك ، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم لا أفضل من ذلك » وقد روى « أنّه صلَّى الله عليه وسلَّم [ 4 ] ما صام شهرا كاملا قطَّ إلَّا رمضان » ومن لا يقدر على صوم نصف الدهر فلا بأس بثلثه ، وهو أن يصوم يوما ويفطر يومين وإذا صام ثلاثة من أول الشهر وثلاثة من الوسط وثلاثة من الأخر فهو ثلث ، وواقع في الأوقات الفاضلة ، وإن صام الاثنين والخميس والجمعة فهو قريب من الثلث . وإذا ظهرت أوقات الفضيلة فالكمال في أن يفهم الإنسان معنى الصوم ، وأن مقصوده تصفية القلب وتفريغ الهم لله عز وجل . والفقيه بدقائق الباطن ينظر إلى أحواله ، فقد يقتضي حاله دوام الصوم ، وقد يقتضي دوام الفطر ، وقد يقضى مزج الإفطار بالصوم . وإذا فهم المعنى وتحقق حده في سلوك طريق الآخرة بمراقبة القلب لم يخف عليه صلاح قلبه ، وذلك لا يوجب ترتيبا مستمرا ، ولذلك روى « أنّه صلَّى الله عليه وسلَّم [ 5 ] كان يصوم حتّى يقال لا يفطر ويفطر حتّى يقال لا يصوم وينام حتّى يقال لا يقوم ويقوم حتّى يقال لا ينام » وكان ذلك بحسب ما ينكشف له بنور النبوة من القيام بحقوق الأوقات