الغزالي

416

إحياء علوم الدين

ومعيار ذلك ومحكه أن ينظر إلى ميل نفسه إلى الشكر حيث لا ينتهى الخبر إلى المعطى ، ولا إلى من يرغب في عطائه ، وبين يدي جماعة يكرهون إظهار العطية ويرغبون في اخفائها ، وعادتهم أنهم لا يعطون الا من يخفى ولا يشكر ، فان استوت هذه الأحوال عنده فليعلم أن باعثه هو إقامة السنة في الشكر والتحدث بالنعمة ، وإلا فهو مغرور ثم إذا علم أن باعثه السنة في الشكر فلا ينبغي أن يغفل عن قضاء حق المعطى فينظر : فإن كان هو ممن يحب الشكر والنشر فينبغي أن يخفى ولا يشكر ، لأن قضاء حقه أن لا ينصره على الظلم ، وطلبه الشكر ظلم وإذا علم من حاله أنه لا يحب الشكر ولا يقصده فعند ذلك يشكره ويظهر صدقته . ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] للرجل الذي مدح بين يديه : « ضربتم عنقه ، لو سمعها ما أفلح » مع أنه صلَّى الله عليه وسلم كان يثنى على قوم في وجوههم لثقته بيقينهم وعلمه بأن ذلك لا يضرهم بل يزيد في رغبتهم في الخير فقال لواحد [ 2 ] « إنّه سيّد أهل الوبر » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] في آخر « إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه » وسمع كلام رجل فأعجبه فقال صلَّى الله عليه وسلم [ 4 ] « إنّ من البيان لسحرا » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 5 ] « إذا علم أحدكم من أخيه خيرا فليخبره فإنّه يزداد رغبة في الخير » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 6 ] « إذا مدح المؤمن ربا الإيمان في قلبه » وقال الثوري : من عرف نفسه لم يضره مدح الناس