الغزالي

414

إحياء علوم الدين

فاختلاف الحال شرك في التوحيد . قال بعضهم : كنا لا نعبؤ بدعاء من يأخذ في السر ويرد في العلانية . والالتفات إلى الخلق حضروا أم غابوا نقصان في الحال ، بل ينبغي أن يكون النظر مقصورا على الواحد الفرد . حكى أن بعض الشيوخ كان كثير الميل إلى واحد من جملة المريدين ، فشق على الآخرين فأراد أن يظهر لهم فضيلة ذلك المريد ، فأعطى كل واحد منهم دجاجة وقال . لينفرد كل واحد منكم بها وليذبحها حيث لا يراه أحد ، فانفرد كل واحد وذبح ، إلا ذلك المريد فإنه رد الدجاجة ، فسألهم فقالوا : فعلنا ما أمرنا به الشيخ ، فقال الشيخ للمريد : مالك لم تذبح كما ذبح أصحابك ؟ فقال ذلك المريد : لم أقدر على مكان لا يراني فيه أحد فان الله يراني في كل موضع ، فقال الشيخ : لهذا أميل إليه لأنه لا يلتفت لغير الله عز وجل الرابع : أن الإظهار إقامة لسنة الشكر ، وقد قال تعالى : * ( وأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) * « 1 » والكتمان كفران النعمة ، وقد ذم الله عز وجل من كتم ما آتاه الله عز وجل وقرنه بالبخل فقال تعالى : * ( الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ الله من فَضْلِه ) * « 2 » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « إذا أنعم الله على عبد نعمة أحبّ أن ترى نعمته عليه » وأعطى رجل بعض الصالحين شيئا في السر فرفع به يده وقال : هذا من الدنيا والعلانية فيها أفضل والسر في أمور الآخرة أفضل . ولذلك قال بعضهم : إذا أعطيت في الملا فخذ ثم أردد في السر . والشكر فيه محثوث عليه ، قال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « من لم يشكر النّاس لم يشكر الله عزّ وجلّ » والشكر قائم مقام المكافأة ، حتى قال صلَّى الله عليه وسلم « من أسدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تستطيعوا فأثنوا عليه به خيرا وادعوا له حتّى تعلموا أنّكم قد كافأتموه » [ 3 ] ولما قال المهاجرون في الشكر يا رسول الله ما رأينا خيرا من قوم نزلنا عندهم قاسمونا الأموال حتى خفنا أن يذهبوا بالأجر كلَّه ، فقال صلَّى الله عليه وسلم « كلّ ما شكرتم لهم وأثنيتم عليهم به فهو مكافأة »

--> « 1 » الضحى : 11 « 2 » النساء : 37