الغزالي

391

إحياء علوم الدين

الجزء الثّالث الوظيفة الثالثة : الإسرار ، فان ذلك أبعد عن الرياء والسمعة قال صلَّى الله عليه وسلَّم [ 1 ] : « أفضل الصّدقة جهد المقلّ إلى فقير في سرّ » وقال بعض العلماء [ 2 ] « ثلاث من كنوز البرّ منها إخفاء الصّدقة » وقد روى أيضا مسندا وقال صلَّى الله عليه وسلَّم : [ 3 ] « إنّ العبد ليعمل عملا في السّرّ فيكتبه الله له سرّا ، فإن أظهره نقل من السّرّ وكتب في العلانية ، فإن تحدّث به نقل من السّرّ والعلانية وكتب رياء » وفي الحديث المشهور : [ 4 ] « سبعة يظلَّهم الله يوم لا ظلّ إلَّا ظلَّه أحدهم رجل تصدّق بصدقة فلم تعلم شماله بما أعطت يمينه » وفي الخبر : [ 5 ] « صدقة السّرّ تطفئ غضب الرّبّ » وقال تعالى : * ( وإِنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) * « 1 » وفائدة الإخفاء الخلاص من آفات الرياء والسمعة ، فقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم [ 6 ] : « لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منّان » والمتحدث بصدقته يطلب السمعة ، والمعطى في ملأ من الناس يبغى الرياء ، والإخفاء والسكوت هو المخلص منه . وقد بالغ في فضل الإخفاء جماعة حتى اجتهدوا أن لا يعرف القابض المعطى ، فكان بعضهم يلقيه في يد أعمى ، وبعضهم يلقيه في طريق الفقير وفي موضع جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطى ، وبعضهم كان يضره في ثوب الفقير وهو نائم ، وبعضهم كان يوصل إلى يد الفقير على يد غيره بحيث لا يعرف المعطى وكان يستكتم المتوسط شأنه ويوصيه بأن لا يفشيه ، كل ذلك توصلا إلى إطفاء غضب الرب سبحانه ، واحترازا من الرياء والسمعة

--> « 1 » البقرة 271