الغزالي

406

إحياء علوم الدين

فلا يأخذ من أموال الأتراك والجنود وعمال السلاطين ومن أكثر كسبه من الحرام إلا إذا ضاق الأمر عليه وكان ما يسلم إليه لا يعرف له مالكا معينا فله أن يأخذ بقدر الحاجة ، فان فتوى الشرع في مثل هذا أن يتصدق به على ما سيأتي بيانه في كتاب الحلال والحرام ، وذلك إذا عجز عن الحلال ، فإذا أخذ لم يكن أخذه أخذ زكاة ، إذ لا يقع زكاة عن مؤديه وهو حرام الرابعة : أن يتوقى مواقع الريبة والاشتباه في مقدار ما يأخذه ، فلا يأخذ إلا المقدار المباح ، ولا يأخذ الا إذا تحقق أنه موصوف بصفة الاستحقاق ، فإن كان يأخذه بالكتابة والغرامة فلا يزيد على مقدار الدين ، وإن كان يأخذ بالعمل فلا يزيد على أجرة المثل ، وإن أعطى زيادة أبي وامتنع ، إذ ليس المال للمعطي حتى يتبرع به ، وإن كان مسافرا لم يزد على الزاد وكراء الدابة إلى مقصده ، وإن كان غازيا لم يأخذ الا ما يحتاج إليه للغزو خاصة من خيل وسلاح ونفقة ، وتقدير ذلك بالاجتهاد ، وليس له حدّ ، وكذا زاد السفر ، والورع ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ، وإن أخذ بالمسكنة فلينظر أوّلا إلى أثاث بيته وثيابه وكتبه هل فيها ما يستغنى عنه بعينه أو يستغنى عن نفاسته ، فيمكن أن يبدل بما يكفي ويفضل بعض قيمته ، وكل ذلك إلى اجتهاده ، وفيه طرف ظاهر يتحقق معه انه مستحق ، وطرف آخر مقابل يتحقق معه أنه غير مستحق ، وبينهما أوساط مشتبهة ، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه . والاعتماد في هذا على قول الآخذ ظاهرا وللمحتاج في تقدير الحاجات مقامات في التضييق والتوسيع ، ولا تنحصر مراتبه . وميل الورع إلى التضييق ، وميل المتساهل إلى التوسيع ، حتى يرى نفسه محتاجا إلى فنون من التوسع ، وهو ممقوت في الشرع ثم إذا تحققت حاجته فلا يأخذن مالا كثيرا ، بل ما يتمم كفايته من وقت أخذه إلى سنة . فهذا أقصى ما يرخص فيه من حيث إن السنة إذا تكررت تكررت أسباب الدخل ، ومن حيث « إنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم [ 1 ] ادّخر لعياله قوت سنة » فهذا أقرب ما يحدّ به حدّ الفقير والمسكين . ولو اقتصر على حاجة شهره أو حاجة يومه فهو أقرب للتقوى