الغزالي

532

إحياء علوم الدين

لا يغنى عنه ظاهر التفسير ، وهو أن يعلم وجه ارتباط الأفعال بالقدرة الحادثة ، ويفهم وجه ارتباط القدرة بقدرة الله عز وجل حتى ينكشف بعد إيضاح أمور كثيرة غامضة صدق قوله عز وجل : * ( وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ الله رَمى « 1 » ) * ولعل العمر لو أنفق في استكشاف أسرار هذا المعنى ، وما يرتبط بمقدماته ولواحقه ، لا نقضي العمر قبل استيفاء جميع لواحقه ، وما من كلمة من القرءان إلا وتحقيقها محوج إلى مثل ذلك ، وإنما ينكشف للراسخين في العلم من أسراره بقدر غزارة علومهم ، وصفاء قلوبهم ، وتوفر دواعيهم على التدبر ، وتجردهم للطلب ، ويكون لكل واحد حق في الترقي إلى درجة أعلى منه ، فاما الاستيفاء ، فلا مطمع فيه ولو كان البحر مدادا والأشجار أقلاما ، فاسرار كلمات الله لا نهاية لها ، فتنفد الأبحر قبل أن تنفد كلمات الله عز وجل ، فمن هذا الوجه تتفاوت الخلق في الفهم بعد الاشتراك في معرفة ظاهر التفسير ، وظاهر التفسير لا يغنى عنه ، ومثاله فهم بعض أرباب القلوب من قوله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] في سجوده « أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » أنه قيل له اسجد واقترب ، فوجد القرب في السجود فنظر إلى الصفات فاستعاذ ببعضها من بعض ، فان الرضا والسخط وصفان ، ثم زاد قربه فاندرج القرب الأول فيه فرقى إلى الذات ، فقال « أعوذ بك منك » ثم زاد قربه بما استحيا به من الاستعاذة على بساط القرب فالتجأ إلى الثناء فأثنى بقوله « لا أحصى ثناء عليك » ثم علم أن ذلك قصور فقال « أنت كما أثنيت على نفسك » فهذه خواطر تفتح لأرباب القلوب ، ثم لها أغوار وراء هذا ، وهو فهم معنى القرب واختصاصه بالسجود ، ومعنى الاستعاذة من صفة بصفة ومنه به ، وأسرار ذلك كثيرة ولا يدل تفسير ظاهر اللفظ عليه ، وليس هو مناقضا لظاهر التفسير بل هو استكمال له ، ووصول إلى لبابة عن ظاهره ، فهذا ما نورده لفهم المعاني الباطنة لا ما يناقض الظاهر والله أعلم : تم كتاب آداب التلاوة ، والحمد لله رب العالمين ، والصلاة على محمد خاتم النبيين ، وعلى كل عبد مصطفى من كل العالمين ، وعلى آل محمد وصحبه وسلم . يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب الأذكار والدعوات ، والله المستعان لا رب سواه

--> « 1 » الأنفال : 17