الغزالي
523
إحياء علوم الدين
شيئا من الشرك الخفي ، بل التوحيد الخالص أن لا يرى في كل شيء إلا الله عز وجل العاشر : التبري ، وأعنى به أن يتبرأ من حوله وقوته والالتفات إلى نفسه بعين الرضا والتزكية ، فإذا تلا آيات الوعد والمدح للصالحين فلا يشهد نفسه عند ذلك ، بل يشهد الموقنين والصديقين فيها ، ويتشوف إلى أن يلحقه الله عز وجل بهم . وإذا تلا آيات المقت وذم العصاة والمقصرين شهد على نفسه هناك وقدر أنه المخاطب خوفا وإشفاقا . ولذلك كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول : اللهم إني أستغفرك لظلمى وكفرى . فقيل له هذا الظلم فما بال الكفر ؟ فتلا قوله عز وجل : * ( إِنَّ الإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ « 1 » ) * وقيل ليوسف بن أسباط : إذا قرأت القرءان بما ذا تدعو ؟ فقال : بما ذا أدعو ؟ أستغفر الله عز وجل من تقصيري سبعين مرة فإذا رأى نفسه بصورة التقصير في القراءة كان رؤيته سبب قربه ، فان من شهد العبد في القرب لطف به في الخوف حتى يسوقه الخوف إلى درجة أخرى في القرب وراءها ، ومن شهد القرب في البعد مكر به بالأمن الذي يفضيه إلى درجة أخرى في البعد أسفل مما هو فيه ، ومهما كان مشاهدا نفسه بعين الرضا صار محجوبا بنفسه ، فإذا جاوز حدّ الالتفات إلى نفسه ولم يشاهد إلا الله تعالى في قراءته كشف له سر الملكوت . قال أبو سليمان الدارنى رضي الله عنه : وعد ابن ثوابان أخا له أن يفطر عنده فأبطأ عليه حتى طلع الفجر ، فلقيه أخوه من الغد فقال له . وعدتني أنك تفطر عندي فأخلفت فقال : لولا ميعادي معك ما أخبرتك بالذي حبسني عنك : إني لما صليت العتمة قلت أوتر قبل أن أجيئك لأني لا آمن ما يحدث من الموت ، فلما كنت في الدعاء من الوتر رفعت إلىّ روضة خضراء فيها أنواع الزهر من الجنة فما زلت أنظر إليها حتى أصبحت وهذه المكاشفات لا تكون إلا بعد التبري عن النفس وعدم الالتفات إليها والى هواها ثم تخصص هذه المكاشفات بحسب أحوال المكاشف : فحيث يتلو آيات الرجاء ويغلب على حاله الاستبشار تنكشف له صورة الجنة فيشاهدها كأنه يراها عيانا ، وإن غلب عليه الخوف كوشف بالنار حتى يرى أنواع عذابها ، وذلك لأن كلام الله عز وجل يشتمل على السهل اللطيف
--> « 1 » إبراهيم : 34