الغزالي

514

إحياء علوم الدين

وقال ابن مسعود رضي الله عنه : من أراد علم الأوّلين والآخرين فليثور القرءان ، وأعظم علوم القرءان تحت أسماء الله عز وجل وصفاته ، إذ لم يدرك أكثر الخلق منها إلا أمورا لائقة بأفهامهم ولم يعثروا على أغوارها وأما أفعاله تعالى فكذكره خلق السماوات والأرض وغيرها . فليفهم التالي منها صفات الله عز وجل وجلاله ، إذا لفعل يدل على الفاعل ، فتدل عظمته على عظمته ، فينبغي أن يشهد في الفعل الفاعل دون الفعل ، فمن عرف الحق رآه في كل شيء ، إذ كل شيء فهو منه وإليه وبه وله ، فهو الكل على التحقيق ، ومن لا يراه في كل ما يراه فكأنه ما عرفه ، ومن عرفه عرف أن كل شيء ما خلا الله باطل ، وأن كل شيء هالك إلا وجهه ، لا أنه سيبطل في ثاني الحال ، بل هو الآن باطل إن اعتبر ذاته من حيث هو ، إلا أن يعتبر وجوده من حيث إنه موجود با لله عز وجل وبقدرته ، فيكون له بطريق التبعية ثبات ، وبطريق الاستقلال بطلان محض . وهذا مبدأ من مبادئ علم المكاشفة . ولهذا ينبغي إذا قرأ التالي قوله عز وجل : * ( أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ « 1 » ) * * ( أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ « 2 » ) * * ( أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ « 3 » ) * * ( أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ « 4 » ) * فلا يقصر نظره على الماء والنار والحرث والمنى ، بل يتأمل في المنى وهو نطفة متشابهة الأجزاء ، ثم ينظر في كيفية انقسامها إلى اللحم والعظم والعروق والعصب ، وكيفية تشكل أعضائها بالأشكال المختلفة من الرأس واليد والرجل والكبد والقلب وغيرها ، ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات الشريفة من السمع والبصر والعقل وغيرها ، ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات المذمومة من الغضب والشهوة والكبر والجهل والتكذيب والمجادلة ، كما قال تعالى : * ( أَولَمْ يَرَ الإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناه من نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ « 5 » ) * فيتأمل هذه العجائب ليترقى منها إلى عجب العجائب وهو الصفة التي منها صدرت هذه الأعاجيب ، فلا يزال بنظر إلى الصنعة فيرى الصانع

--> « 1 » الواقعة : 63 « 2 » الواقعة : 58 « 3 » الواقعة : 68 « 4 » الواقعة : 71 « 5 » يس : 77