الغزالي
512
إحياء علوم الدين
أي بجد واجتهاد ، وأخذه بالجد أن يكون متجردا له عند قراءته منصرف الهمة إليه عن غيره وقيل لبعضهم : إذا قرأت القرءان تحدث نفسك بشيء ؟ فقال : أو شيء أحب إلىّ من القرءان حتى أحدث به نفسي ؟ وكان بعض السلف إذا قرأ آية لم يكن قلبه فيها أعادها ثانية . وهذه الصفة تتولد عما قبلها من التعظيم ، فان المعظم للكلام الذي يتلوه يستبشر به ويستأنس ولا يغفل عنه ، ففي القرءان ما يستأنس به القلب إن كان التالي أهلا له ، فكيف يطلب الأنس بالفكر في غيره وهو في منتزه ومتفرج ، والذي يتفرج في المنتزهات لا يتفكر في غيرها ، فقد قيل : إن في القرءان ميادين وبساتين ومقاصير وعرائس وديابيج ورياضا وخانات ، فالميمات ميادين القرءان ، والراءات بساتين القرءان ، والحاءات مقاصيره ، والمسبحات عرائس القرءان ، والحاميمات ديابيج القرءان ، والمفصّل رياضه ، والخانات ما سوى ذلك فإذا دخل القارئ الميادين وقطف من البساتين ودخل المقاصير وشهد العرائس ولبس الديابيج وتنزه في الرياض وسكن غرف الخانات ، استغرقه ذلك ، وشغله عما سواه ، فلم يعزب قلبه ، ولم يتفرق فكره الرابع : التدبر وهو وراء حضور القلب ، فإنه قد لا يتفكر في غير القرءان ، ولكنه يقتصر على سماع القرءان من نفسه وهو لا يتدبره . والمقصود من القراءة التدبر ، ولذلك سن فيه الترتيل لأن الترتيل في الظاهر ليتمكن من التدبر بالباطن . قال على رضي الله عنه : لا خير في عبادة لا فقه فيها ، ولا في قراءة لا تدبر فيها . وإذا لم يتمكن من التدبر إلا بترديد فليردد إلا أن يكون خلف إمام ، فإنه لو بقي في تدبر آية وقد اشتغل الامام بآية أخرى كان مسيئا ، مثل من يشتغل بالتعجب من كلمة واحدة ممن يناجيه عن فهم بقية كلامه ، وكذلك إن كان في تسبيح الركوع وهو متفكر في آية قرأها إمامه فهذا وسواس ، فقد روى عن عامر بن عبد قيس أنه قال : الوسواس يعتريني في الصلاة ، فقيل في أمر الدنيا فقال : لأن تختلف في الأسنة أحب إلىّ من ذلك ، ولكن يشتغل قلبي بموقفي بين يدي ربي عز وجل ، وانى كيف أنصرف . فعد ذلك وسواسا ، وهو كذلك ، فإنه يشغله عن فهم ما هو فيه ، والشيطان لا يقدر على مثله إلا بأن يشغله بمهمّ دينيّ ، ولكن يمنعه به عن الأفضل . ولما ذكر ذلك للحسن قال : إن كنتم صادقين عنه فما اصطنع الله ذلك عندنا